أحكام القرآن الكريم للطحاوي

الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

صفحة جزء
وكان من حجة من ذهب إلى إباحة الكلام في الصلاة للنائبة التي تنوب فيها :

405 - أن نصر بن مرزوق ، حدثنا ، قال : حدثنا الخصيب بن ناصح ، قال : حدثنا وهيب بن خالد ، عن أيوب ، وابن عون ، وسلمة بن علقمة ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، قال : " صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر ، قال : وأكبر ظني أنه قد ذكر الظهر ، فصلى ركعتين ، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد ، فوضع يديه عليها إحداهما على الأخرى يعرف في وجهه الغضب .

قال : وخرج سرعان الناس ، فقالوا : قصرت الصلاة ، وفي الناس أبو بكر ، وعمر ، فهاباه أن يكلماه ، فقام رجل طويل اليدين ، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسميه ذا اليدين ، فقال : يا رسول الله ، أنسيت أم قصرت الصلاة ؟ ، فقال : لم أنس ولم تقصر الصلاة ، فقال : بل نسيت يا رسول الله فأقبل على القوم ، فقال : صدق ذو اليدين ؟ قالوا : نعم فجاء فصلى بنا الركعتين الباقيتين ، ثم سلم ، ثم كبر ، ثم سجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع رأسه وكبر وسجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع رأسه وكبر " .


قالوا : فلما كان أبو هريرة - رضي الله عنه - قد أخبر في حديثه هذا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم هذه الصلاة وكان منه فيها ومن كلامهم إياه فيها ، ومن [ ص: 216 ] رده عليهم وردهم عليه ما لم يخرجه منها وما لم يمنعه من البناء على ما مضى منها ، وإسلام أبي هريرة - رضي الله عنه - ، فإنما كان قبل وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثلاث سنين كما :

406 - حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا عبد الله بن عمرو القواريري ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، قال : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، قال : أتينا أبا هريرة - رضي الله عنه - ، فقلنا : حدثنا ، فقال : " صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث سنين " .

407 - وكما حدثنا أبو أميه ، قال : حدثنا أحمد بن إسحاق الحضرمي ، قال : حدثنا وهيب بن خالد ، قال : حدثنا خيثم بن عراك ، عن أبيه ، عن نفر من قومه ، أن أبا هريرة - رضي الله عنه - " قدم المدينة هو ونفر من قومه .

قال : قدمنا وقد خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر واستخلف رجلا من بني غفار ، يقال له : سنباغ بن عرفطة ، فأتيناه وهو يصلي بالناس صلاة الغداة ، فقرأ في الركعة الأولى : كهيعص ، وفي الثانية : ويل للمطففين .

قال أبو هريرة : فأقول وأنا في الصلاة ، ويل لأبي فلان كان له مكيالان إذا اكتال بالوافي .

وإذا كال كال بالناقص ، فلما فرغنا من صلاتنا أتينا سنباغا فزودنا شيئا حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد افتتح خيبر ، فكلم الناس فأشركونا في سهامهم ، قال : ونسخ الكلام في الصلاة فبمكة لابن مسعود لما قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أرض الحبشة ، وكان قدومه عليه منها بمكة ، سلم عليه وهو يصلي فلم يرد عليه ، فلما فرغ ، قال له : " إن الله - عز وجل - يحدث من أمره ما شاء ، وإن مما أحدث أنه قضى ألا تتكلموا في الصلاة " .
دل ما ذكرنا أن ما كان من الكلام في الصلاة في حديث ذي اليدين غير داخل في النهي عن الكلام في الصلاة ، ودليل أن الكلام في الصلاة الذي نهي عنه فيها إنما هو لما سوى ذلك .

فكان من الحجة عليه للآخرين أن حديث ذي اليدين لو كان بعد حديث ابن مسعود ، لكان ناسخا له ولثبت به أن يتكلم الناس بجميع حوائجهم في الصلاة ، لأن الكلام الذي كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وممن كلمه في حديث ذي اليدين لم يوقفنا [ ص: 217 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أحد من أصحابه أن ذلك الكلام لتلك الحادثة خاصة ، وأنه لا يجوز أن يتكلم به فيها ثان في الصلاة من غير أمرها ، ولو كان بينهما فرقان إذا لأوضحوه للناس ولعلموهم إياه ، بل قد علمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثي سهل بن سعد وأبي هريرة اللذين ذكرناهما ، التسبيح للرجال والتصفيق للنساء ، عند النوائب التي تنوبهم في صلاتهم ، ولم يتجاوزهم بذلك إلى غيره من الكلام .

التالي السابق


الخدمات العلمية