صفحة جزء
ومما يغالط به الجهمي من لا يعلم قول الله تعالى : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فقالوا : كل شيء له بين يدين وخلف ، فهو مخلوق ، فيقال له : إن القرآن ليس شخصا فيكون له خلف وقدام ، وإنما أراد تعالى لا يأتيه التكذيب من بين يديه فيما نزل قبله من التوراة والإنجيل والكتب التي تقدمت قبله . : ولا من خلفه ، يقول : ولا يأتي بعده بكتاب يبطله ولا يكذبه ، كما أخبرنا أنه أيضا مصدق لما كان قبله من الكتب ، فقال : وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها .

يقال لما كان قبل الشيء وأمامه بين يديه ، وما كان بعده خلفه ، وبيان ذلك في كتاب الله : قال الله تعالى :يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ، [ ص: 190 ] لا يريد أن للصدقة بين يدين وخلفا ، وإنما أراد قبل نجواكم صدقة ، وقال : وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته يريد أن يرسل الرياح قبل المطر .

وقال : إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، يقول : نذير قبل العذاب . وكذلك معناه في : لا يأتيه الباطل من بين يديه ، أراد قبله ولا من بعده ، ولو كان معنى : من بين يديه ومن خلفه معنى المخلوق ، لكان شخصا له قدام وخلف وظهر وبطن ويدان ورجلان ورأس ولا يمكن ذلك في القرآن ، ثم إن الجهمي ادعى أمرا آخر فقال : إن الله عز وجل يقول : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ، فزعم أن القرآن لا يخلو أن يكون في السماوات أو في الأرض أو فيما بينهما .

فيقال له : إن الله عز وجل يقول : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ، فالحق الذي خلق به السماوات والأرض وما بينهما هو قوله وكلامه ، لأنه هو الحق وقوله الحق : قال فالحق والحق أقول [ ص: 191 ] .

وقال : ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك ، فأخبر بأن الخلق كله كان بالحق ، والحق قوله وكلامه .

وقال : خلق السماوات والأرض بالحق ، وقال : ما خلق الله ذلك إلا بالحق ، يعني قوله وكلامه ، فقوله وكلامه قبل السماوات والأرض وما بينهما ، فتفهموا رحمكم الله ، ولا يستفزنكم الجهمي الخبيث بتغاليطه وتمويهه وتشكيكه ليزيلكم عن دينكم ، فإن الجهمي لا يألوا جهدا في تكفير الناس وتضليلهم عصمنا الله وإياكم من فتنته برحمته .

ويقال للجهمي : أخبرنا : من أخبرنا أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما ؟ فإذا ، قال : الله ، فيقال له : فجعلت خبر الله عن الخلق خلقا ؟ فيقول : نعم ، ويقول : إن الخبر عين المخبر ، فيقال له : فالخبر مخلوق ؟ فيقول : نعم ويقول : الخبر غير الله ، فيقال له : أليس قد تفرد الله بعلم الغيب دون خلقه ؟ فيقول : نعم ، فيقال له : فالخبر الذي زعمت أنه مخلوق وأنه غير الله من قال له : أخبر الخلق أن الله خلق السماوات ، أليس الله قال له ذلك ؟ فإن ، قال : نعم ، فقد أقر أن الله أخبر خلقا دون خلق ، فما يمنعك أن نكون نحن ذلك الخلق الذين أخبرهم أنه هو خلق الخلق ؟ .

وإن قال : إن الله لم يخبر ذلك الخلق ولم يأمره أن يعلم الخلق بذلك ، قيل له : فقد أقررت أنه ليس أحد يعلم الغيب إلا الله ، وزعمت أن هذا الخبر هو غير الله ، فمن أين علم هذا الخبر وهو مخلوق أن الله خلق السماوات [ ص: 192 ] والأرض ؟ وكيف جاز أن يقول على الله ما لم يعلم ولم يأمره به ؟

فعند ذلك يوضح كفر الجهمي وكذبه على الله وقبيح ضلاله .

التالي السابق


الخدمات العلمية