صفحة جزء
433 - قال حنبل : وقال أبو عبد الله : " واحتججت عليهم فقلت : زعمتم أن الأخبار تردونها باختلاف أسانيدها ، وما يدخلها من الوهم والضعف ، فهذا القرآن نحن وأنتم مجمعون عليه وليس بين أهل القبلة فيه خلاف ، وهو الإجماع .

قال الله عز وجل في كتابه تصديقا منه لقول إبراهيم غير دافع لمقالته ولا لما حكى عنه فقال : إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ، فذم إبراهيم أباه أن عبد ما لا يسمع ولا يبصر ، فهذا منكر عندكم " . فقالوا : شبه شبه يا أمير المؤمنين [ ص: 255 ] .

فقلت : " أليس هذا القرآن ؟ هذا منكر عندكم مدفوع ، وهذه قصة موسى ، قال الله عز وجل لموسى في كتابه حكاية عن نفسه : وكلم الله موسى ، فأثبت الله الكلام لموسى كرامة منه لموسى ، ثم قال : يا موسى : إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ، فتنكرون هذا ، فيجوز أن يكون هذا الياء راجعة ترد على غير الله ، أو يكون مخلوق يدعي الربوبية ؟ وهل يجوز أن يقول هذا غير الله ؟ وقال له : يا موسى لا تخف ، : إني أنا ربك فاخلع نعليك فهذا كتاب الله يا أمير المؤمنين ، فيجوز أن يقول لموسى : أنا ربك مخلوق ، وموسى كان يعبد مخلوقا ، ومضى إلى فرعون برسالة مخلوق يا أمير المؤمنين ؟ قال : فأمسكوا ، وأداروا بينهم كلاما لم أفهمه . قال أبو عبد الله : " والقوم يدفعون هذا وينكرونه ، ما رأيت أحدا طلب الكلام واشتهاه إلا أخرجه إلى أمر عظيم ، لقد تكلموا بكلام ، واحتجوا بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطق لساني أن أحكيه ، والقوم يرجعون إلى التعطيل في أقاويلهم ، وينكرون الرؤية والآثار كلها ، ما ظننت أنه هكذا حتى سمعت مقالاتهم " قال أبو عبد الله : " قيل لي يومئذ : كان الله ولا قرآن . فقلت له : كان الله [ ص: 256 ] ولا علم ؟ فأمسك ، ولو زعم غير ذلك أن الله كان ولا علم ، لكفر بالله .

قال أبو عبد الله : " وقلت له - يعني : لابن الحجام - : يا ويلك ، لا يعلم حتى يكون فعلمه وعلمك واحد ، كفرت بالله عالم السر وأخفى ، عالم الغيب والشهادة ، علام الغيوب ، ويلك ، يكون علمه مثل علمك ، تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .

قال أبو عبد الله : " فهذه أليست مقالته ؟ " قال أبو عبد الله : " وهذا هو الكفر بالله ، ما ظننت أن القوم هكذا . لقد جعل برغوث يقول يومئذ : الجسم وكذا وكلام لا أفهمه ، فقلت : لا أعرف ولا أدري ما هذا ، إلا أنني أعلم أنه أحد صمد ، لا شبه له ولا عدل ، وهو كما وصف نفسه ، فيسكت عني ، قال : فقال لي شعيب : قال الله : إنا جعلناه قرآنا عربيا ، أفليس كل مجعول مخلوقا ؟ قلت : " فقد قال الله : فجعلهم جذاذا أفخلقهم ؟ : فجعلهم [ ص: 257 ] كعصف مأكول ، أفخلقهم ؟ أفكل مجعول مخلوق ؟ كيف يكون مخلوقا وقد كان قبل أن يخلق الجعل ، قال : فأمسك .

التالي السابق


الخدمات العلمية