صفحة جزء
694 - وقال ابن المبارك رحمه الله : إنا لنستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية . ولولا أنك قلت إن أهل الزيغ يطعنون على أئمتنا وعلمائنا باختلافهم فأحببت أن أعلمك أن الذي أنكروه هم ابتدعوه وأن الذي عابوه هم استحسنوه ولولا اختلافهم في أصولهم وعقودهم وإيمانهم ودياناتهم لما دنسنا ألفاظنا بذكر حالهم .

فأما الاختلاف فهو ينقسم على وجهين : أحدهما اختلاف الإقرار به إيمان ورحمة وصواب وهو الاختلاف المحمود الذي نطق به الكتاب ومضت به السنة ورضيت به الأمة وذلك في الفروع والأحكام التي أصولها ترجع إلى الإجماع والائتلاف .

واختلاف هو كفر وفرقة وسخطة وعذاب يؤول بأهله إلى الشتات والتضاغن والتباين والعداوة واستحلال الدم والمال وهو اختلاف أهل الزيغ في الأصول والاعتقاد والديانة .

فأما اختلاف أهل الزيغ فقد بينت لك كيف هو وفيما اختلفوا فيه .

وأما اختلاف أهل الشريعة الذي يؤول بأهله إلى الإجماع والألفة والتواصل والتراحم فإن أهل الإثبات من أهل السنة يجمعون على الإقرار بالتوحيد وبالرسالة بأن الإيمان قول وعمل ونية وبأن القرآن كلام الله غير مخلوق ، ومجمعون على أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكن ، وعلى أن الله خالق الخير والشر ومقدرهما وعلى أن الله يرى يوم القيامة ، وعلى أن الجنة والنار مخلوقتان باقيتان ببقاء الله ، وأن الله على عرشه بائن من خلقه وعلمه محيط بالأشياء ، وأن الله قديم لا بداية له ولا نهاية ولا غاية ، بصفاته التامة لم يزل عالما ناطقا سميعا بصيرا حيا حليما قد علم ما يكون قبل أن يكون وأنه قدر المقادير قبل خلق [ ص: 558 ] الأشياء . ومجمعون على إمامة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي عليهم السلام وعلى تقديم الشيخين وعلى أن العشرة في الجنة جزما وحتما لا شك فيه ومجمعون على الترحم على جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستغفار لهم ولأزواجه وأولاده وأهل بيته والكف عن ذكرهم إلا بخير والإمساك وترك النظر فيما شجر بينهم ، فهذا وأشباهه مما يطول شرحه لم يزل الناس مذ بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا مجمعون عليه في شرق الأرض وغربها وبرها وبحرها وسهلها وجبلها يرويه العلماء رواة الآثار وأصحاب الأخبار ويعرفه الأدباء والعقلاء ويجمع على الإقرار به الرجال والنسوان والشيب والشبان والأحداث والصبيان في الحاضرة والبادية والعرب ، والعجم ، لا يخالف ذلك ولا ينكره ، ولا يشذ عن الإجماع مع الناس فيه إلا رجل خبيث زائغ مبتدع محقور مهجور مدحور يهجره العلماء ، ويقطعه العقلاء ، إن مرض لم يعودوه وإن مات لم يشهدوه .

ثم أهل الجماعة مجمعون بعد ذلك على أن الصلاة خمس ، وعلى أن الطهارة والغسل من الجنابة فرض ، وعلى الصيام والزكاة والحج والجهاد ، وعلى تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير والربا والزنا وقتل النفس المؤمنة بغير حق ، وتحريم شهادة الزور ، وأكل مال اليتيم وما يطول الكتاب بشرحه ، ثم اختلفوا بعد إجماعهم على أصل الدين واتفاقهم على شريعة المسلمين اختلافا لم يصر بهم إلى فرقة ولا شتات ولا معاداة ولا تقاطع وتباغض فاختلفوا في فروع الأحكام والنوافل التابعة للفرائض فكان لهم وللمسلمين فيه مندوحة ونفس وفسحة ورحمة ، ولم يعب بعضهم على بعض ذلك ولا أكفره ولا سبه ولا لعنه ، ولقد اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحكام اختلافا ظاهرا علمه بعضهم من بعض ، وهم القدوة والأئمة والحجة .

فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول : إن الجد يرث ما يرثه الأب ويحجب من يحجبه الأب فخالفه على ذلك زيد بن ثابت وخالفهما علي بن أبي طالب وخالفهم ابن مسعود وخالف ابن عباس جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسائل من الفرائض وكذلك اختلفوا في [ ص: 559 ] أبواب من العدة والطلاق وفي الرهون والديون والوديعة والعارية وفي المسائل التي المصيب فيها محمود مأجور والمجتهد فيها برأيه المعتمد للحق إذا أخطأ فمأجور أيضا غير مذموم لأن خطأه لا يخرجه من الملة ولا يوجب له النار وبذلك جاءت السنة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية