الأشباه والنظائر على مذاهب أبي حنيفة النعمان

ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

صفحة جزء
[ ص: 177 ] كتاب الشفعة 1 - هي بيع في جميع الأحكام إلا في ضمان الغرر للجبر ، 2 - فإذا استحق المبيع بعد البناء 3 - فلا رجوع للمشتري على الشفيع ، 4 - كالموهوب له والمالك القديم واستيلاد الأب [ ص: 178 ] بخلاف البائع .

6 - فرؤية المشتري ورضاه بالعيب لا يظهر في حق الشفيع كالأجل [ ص: 179 ] وبردها على البائع 8 - لا تسلم للمشتري .

9 - ودلت المسألة على الفسخ دون التحول .

10 - قال الإسبيجابي : والتحول أصح ، وإلا بطلت به


[ ص: 177 ] قوله : هي بيع في جميع الأحكام إلا في ضمان الغرر للجبر .

يعني أن الأخذ بالشفعة لما كان تمليكا ببدل كان شراء حكما فتثبت به أحكام الشراء بينه وبين المأخوذ منه بائعا كان أو مشتريا ، كرجوع العهدة وخيار العيب والرؤية فلا ضمان للغرر فإن الشفيع لا يرجع به على المأخوذ منه ; لأنه ليس بغار له لكونه يأخذها منه جبرا لكن هذا الذي ذكره إنما يتأتى في الأخذ بالقضاء أما إذا أخذها بغير قضاء فلا يستقيم التعليل بما ذكره وسيأتي الجواب عن ذلك .

( 2 ) قوله : فإذا استحق المبيع بعد البناء .

أقول : صواب العبارة : فإذا استحق المأخوذ بالشفعة بعد البناء .

( 3 ) قوله : فلا رجوع للمشتري على الشفيع .

أقول : صواب العبارة ، فلا رجوع للشفيع على المأخوذ منه بائعا أو مشتريا يعني بقيمة ما نقصه البناء بعد القلع بل بالثمن فقط في ظاهر الرواية ; لأن المأخوذ منه ليس بغار له سواء أخذها بقضاء أو بغيره أما إذا أخذها بقضاء فلأنه مجبر على الدفع ، وأما إذا أخذها بغير قضاء فلأنه استوفى عين حقه ; لأنه يأخذه بحق متقدم على البيع لكونه متقدما على الدخيل ; فالجبر ، وإن لم يوجد حقيقة فهو موجود حكما واعتبارا ، وإيفاء عين الحق بقضاء أو غيره سواء من حيث الحكم كما في شرح تلخيص الجامع للقاضي فخر الدين المارديني .

( 4 ) قوله : كالموهوب له والمالك القديم واستيلاد الأب .

أقول : صواب العبارة أن يقال : كالموهوب له وكاستيلاد الأب والمالك القديم كما في تلخيص الجامع ، يعني : الشفيع لا يرجع على المأخوذ منه كما لا يرجع الموهوب له على واهبه لو تلفت العين [ ص: 178 ] الموهوبة فاستحقها مستحق فضمن الموهوب له ، فإنه لا يرجع على الواهب بشيء ، والجامع عدم ضمان السلامة في الصورتين .

وقوله ، وكاستيلاد الأب نظير ثان لعدم رجوع الشفيع على المأخوذ منه يعني : إذا استولد الأب جارية ابنه ثم استحقت لا يرجع الابن بشيء لعدم الغرور من جهته .

وقوله : المالك القديم عطف على الأب فهو نظير ثالث للشفيع يعني لو أسر الكفار جارية وأحرزوها بدراهم فاشتراها مسلم ، وأخرجها أو وقعت في يد أحد من الغانمين فأخذها المالك القديم من المشتري بالثمن أو من الغانم بالقيمة واستولدها فأقام رجل بينة أنها مدبرته ، أو أم ولده فإنه يأخذها ; لأنها لا تحتمل النقل بأسر ولا بغيره ويرجع بما أداه من الثمن أو القيمة لا بما ضمنه من العقر وقيمة الولد ; لأن المأخوذ منه لم يغره سواء أخذها بقضاء أو غيره كما مر تقريره .

( 5 ) قوله : بخلاف البائع .

يعني حيث يرجع المشتري عليه بضمان الغرر ; لأنه لما ملكه مختارا فقد ضمن له سلامة المبيع كأن قال : أنا مالك هذا ليس لأحد فيه حق فكان غارا حقيقة فافترقا .

( 6 ) قوله : فرؤية المشتري ورضاه بالعيب إلخ .

قيل : الصواب إسقاط الفاء لعدم صحة التفريع على ما قبله ( انتهى ) .

لا يقال : الفاء كما تكون للتفريع تكون للاستئناف ، وإن كان قليلا فما المانع من الحمل عليه ويكون كلام المصنف .

صوابا ; لأنا نقول : لما كان المتبادر في أمثال هذا المقام هو التفريع لا الاستئناف مع عدم صحة التفريع حكم بأن الصواب سقوط الفاء ، على أن الفاء ساقطة في عبارة الصدر سليمان في تلخيص الجامع التي هي أصل عبارة المصنف وقوله لا يظهر في حق المشتري ، يعني لو اشترى رجل دارا قد رآها قبل الشراء فأخذها الشفيع منه أو من البائع ، ولم يكن رآها فله ردها بخيار الرؤية وكذا لو اشتراها ، وبها عيب ، وهو يعلم بالعيب أو اطلع عليه بعد الشراء وابراء البائع منه ثم أخذها الشفيع فإنه يردها بالعيب ; لأنه صار مشتريا حكما من البائع أو من المشتري إن قبضها منه ، ولو اشتراها حقيقة ثبت له خيار الرؤية والرد بالعيب ، فكذا حكما ; لأن لزوم العقد في حق المشتري الأول لمعنى يخصه لا يظهر في حق المشتري الثاني ، وهو الشفيع كما لا يظهر الأجل الثابت للمشتري في حق الشفيع .

[ ص: 179 ] قوله : ويردها على البائع إلخ .

أي يرد الشفيع الدار المفهومة من المقام على البائع بخيار رؤية أو عيب .

( 8 ) قوله : لا تسلم للمشتري .

حتى لو أراد أن يأخذها بالبيع الذي كان بينه وبين البائع ليس له ذلك كما لو أبق العبد المباع قبل القبض وفسخ القاضي العقد ثم عاد من الإباق فأراد المشتري أخذه لا سبيل له عليه .

( 9 ) قوله : ودلت المسألة على الفسخ دون التحول أي هذه المسألة وهي أن رؤية المشتري ورضاه بالعيب لا يظهر في حق الشفيع ، على أن البيع الذي جرى بين البائع والمشتري ينفسخ بأخذ الشفيع لا أن حكم عقد المشتري يتحول إلى الشفيع ، وذلك : أنه إذا أخذها من البائع فات بأخذه القبض المستحق للمشتري بالعقد فينفسخ ، كهلاك المبيع ، ولهذا لا يثبت له الأجل ويثبت له خيار الرؤية ، ولو انتقل كان على عكسه كالوكيل مع الموكل ولا يمكن جعل يد الشفيع نائبة عن المشتري في القبض ; لأن حق الشفيع مقدم وهو يقبضه لنفسه من غير تسليط من المشتري بخلاف ما لو باعها المشتري قبل القيض حيث يكون قبض المشتري قبضا له ; لأن الثاني يقبض بتسليطه فلا يفوت قبض الأول وإن أخذها من المشتري لا يتحقق الفسخ ; لأنه لا يفوت بالأخذ منه القبض المستحق ; لأن الاستحقاق لا يتبين به أن البائع لم يكن مالكا .

( 10 ) قوله : قال الإسبيجابي : الأصح هو التحول ; لأن البيع لو انفسخ لبطلت الشفعة .

لأنها تبتنى على وجوده وأجيب بأن الشفعة إنما لم تبطل مع كونه فسخا ; لأن سبب وجوبها قد وجد وهو زوال ملك البائع فلا يبطل بانتقاض البيع ، والتحقيق أنه إذا قضى بالشفعة انتقض المبيع بين البائع والمشتري ، والمراد بهذا الانتقاض ، الانتقاض في حق الإضافة إلى المشتري ، وتقرير هذا أن قول البائع بعت منك يتضمن شيئين أحدهما إيجاب البيع وهو بقوله بعت والثاني : إضافة البيع إلى المشتري بقوله منك فإذا [ ص: 180 ] أخذ الشفيع المبيع بحق الشفعة صار مقدما على المشتري فكأن تلك الإضافة إلى المشتري انقطعت وتحولت إلى الشفيع فكأن ذلك البيع أضيف إلى الشفيع بعد أن كان مضافا إلى المشتري فينتقض في حق الإضافة على مثال ما إذا رمى إنسانا بسهم فتقدم آخر عليه فأصابه فإن الرمي في نفسه لم يتبدل لكن الإرسال إلى الأول انقطع بتحلل الثاني ، وسبب هذا الفسخ تعذر قبض المشتري ، وإنما كان في حق الإضافة لتعذر انفساخ البيع في نفسه ; لأن الشفعة بناء عليه فلا بد من وجود أصله لصحة الحكم بها ; فلهذا تتحول الصفقة إليه ويصير كأنه هو المشتري فتكون العهدة على البائع .

كذا حققه العلامة ابن الساعاتي في شرحه على المجمع وهو قول بالفسخ والتحول وهو تحقيق بالقبول حقيق

التالي السابق


الخدمات العلمية