الأشباه والنظائر على مذاهب أبي حنيفة النعمان

ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

صفحة جزء
تنبيه اشتملت قاعدة الأمور بمقاصدها على عدة قواعد كما تبين لك وقد أتينا على عيون مسائلها وإلا فمسائلها لا تحصى وفروعها لا تستقصى خاتمة تجري قاعدة الأمور بمقاصدها في علم العربية أيضا فأول ما اعتبروا [ ص: 191 ] ذلك في الكلام فقال سيبويه ، والجمهور باشتراط القصد فيه فلا يسمى كلاما ما نطق به النائم والساهي وما تحكيه الحيوانات المعلمة وخالف بعضهم فلم يشترطه وسمى كل ذلك كلاما واختاره أبو حيان 433 - وفرع على ذلك من الفقه ما إذا حلف لا يكلمه فكلمه نائما بحيث يسمع فإنه يحنث وفي بعض روايات المبسوط شرط [ ص: 192 ] أن يوقظه وعليه مشايخنا ; لأنه إذا لم ينتبه كان كما إذا ناداه من بعيد ، وهو بحيث لا يسمع صوته ، كذا في الهداية ، والحاصل أنه قد اختلف التصحيح فيها كما بيناه في الشرح ولم أر إلى الآن حكم إذا ما كلمه مغمى عليه ، أو مجنونا ، أو سكران ، ولو سمع آية السجدة من حيوان صرحوا بعدم وجوبها على المختار لعدم أهلية القارئ بخلاف ما إذا سمعها من جنب ، أو حائض ، والسماع من المجنون لا يوجبها ، ومن النائم يوجبها على المختار .

وكذا تجب بسماعها من سكران ، ومن ذلك المنادى النكرة إن قصد نداء واحد بعينه يعرف ووجب بناؤه على الضم ، وإلا لم يعرف وأعرب بالنصب ، ومن ذلك العلم المنقول من صفة إن قصد به لمح الصفة المنقول منها أدخل فيه الألف واللام وإلا فلا ، وفروع ذلك كثيرة وتجري هذه القاعدة في العروض أيضا ، فإن الشعر عند أهله كلام موزون مقصود به ذلك ، أما ما يقع موزونا اتفاقا لا عن قصد من المتكلم فإنه لا يسمى شعرا ، وعلى ذلك خرج ما وقع في كلام الله كقوله تعالى : { { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } } وفي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله :

هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت




( 433 ) قوله : وفرع على ذلك من الفقه إلخ ، قيل : هذا التفريع الظاهر أنه من المصنف رحمه الله ، وهو غريب فإن الذي شرط قصده الصادر منه الكلام فلم يسم كلام النائم الصادر منه كلاما فأين هذا من مخاطبة اليقظان للنائم .

( انتهى ) . قوله : ولم أر إلى الآن حكم ما إذا كلمه مغمى عليه ، قيل : مقتضى اشتراط القصد في الكلام أن لا يحنث ( انتهى ) . أقول : هذا القائل فهم أن قوله مغمى عليه حال من الفاعل فقال ما قال ولم يتنبه إلى أن مقتضى كلام المصنف رحمه الله أنه حال من المفعول ك " نائما " في المسألة التي قبلها التي فرعها على القاعدة ، وإن كان مخطئا في ذلك التفريع كما قدم التنبيه على ذلك فلا تغفل . قوله : وتجري هذه القاعدة في العروض إلخ .

قيل : كيف يخرج عليها ما وقع في القرآن مع أنه يلزم عليه أن يتكلم الله بشيء لا يقصده تعالى الله عن ذلك ، ويجاب بالمقصود إنما هو إفادة المعنى المراد منه لا كونه شعرا ، فهو ، وإن وافق الوزن الشعري لكن ليس المقصود منه الشعر فتأمل ، فإنه من مدارك الأفهام ومزالق الأقدام ، أقول فيه نظر فإن الباري عز وعلا علم الوزن وأراده وعلم أن فيه فائدة وحكمة ، وإذا كان كذلك فلم يخرج ما وقع في كلام الله تعالى منظوما بقيد القصد فتأمل .

وأصل هذا الإشكال ذكره علامة المغرب ابن مرزوق في شرح الخزرجية ولم يجب عنه فقال : وهذا أي إخراج ما وقع في كلام الله تعالى منظوما يقيد القصد في غاية الإشكال ; لأنه إنما يتم في كلام من يصح منه الذهول ، والغفلة . [ ص: 192 ]

قوله : لقوله عليه السلام هل أنت إلخ ، أقول إنما يتأتى الاستشهاد به بناء على أن الرجز شعر ، أما على القول بأنه ليس بشعر إنما هو نثر مقفى فلا ، وأيضا إنما يتأتى الاستشهاد به على رواية كسر التاء مع الإشباع ، أما على رواية سكونها فلا ، والله تعالى أعلم

التالي السابق


الخدمات العلمية