الأشباه والنظائر على مذاهب أبي حنيفة النعمان

ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

صفحة جزء
المبحث الثالث : العادة المطردة هل تنزل منزلة الشرط ؟ قال في إجارة الظهيرية : [ ص: 307 ] المعروف عرفا كالمشروط شرعا ( انتهى ) .

وقالوا : في الإجارات لو دفع ثوبا إلى خياط ; ليخيطه له أو إلى صباغ ; ليصبغه له ولم يعين له أجرة ، ثم اختلفا في الأجر وعدمه وقد جرت العادة بالعمل بالأجرة ; فهل ينزل منزلة شرط الأجرة ؟ فيه اختلاف قال الإمام الأعظم : لا أجرة له ، وقال أبو يوسف رحمه الله : إن كان الصابغ حريفا له أي معاملا له فله الأجر ، وإلا لا .

وقال محمد رحمه الله : إن كان الصابغ معروفا بهذه الصنعة بالأجر ، وقيام حاله بها كان القول قوله ، وإلا فلا اعتبار للظاهر المعتاد .

وقال الزيلعي ; والفتوى على قول محمد رحمه الله ( انتهى ) .

ولا خصوصية لصابغ بل كل صانع نصب نفسه للعمل بأجرة فإن السكوت كالاشتراط ، ومن هذا القبيل نزول الخان ودخول الحمام والدلال كما في البزازية .

ومن هذا القبيل المعد للاستغلال كما في الملتقط .

ولذا قالوا : المعروف كالمشروط ، فعلى المفتى به صارت عادته كالمشروط صريحا ، وهنا مسألتان لم أرهما الآن ، يمكن تخريجهما على أن المعروف كالمشروط ، وفي البزازية المشروط عرفا كالمشروط شرعا .

25 - منها : لو جرت عادة المقترض برد أزيد مما اقترض هل يحرم إقراضه تنزيلا لعادته بمنزلة الشرط ؟ ومنها لو بارز كافرا [ ص: 308 ] مسلم ، واطردت العادة بالأمان للكافر ، هل يكون بمنزلة اشتراط الأمان له فيحرم على المسلمين إعانة المسلم عليه ؟ وحين تأليف هذا المحل ورد علي سؤال فيمن آجر مطبخا لطبخ السكر وفيه فخار ، أذن للمستأجر في استعمالها فتلف ذلك ، وقد جرى العرف في المطابخ بضمانها على المستأجر 26 - فأجبت بأن المعروف كالمشروط فصار كأنه صرح بضمانها عليه .


[ ص: 307 ] قوله : ومنها لو جرت عادة المقترض : الصواب أن يقال : الأولى أي من المسألتين اللتين لم يرهما هل يحرم إقراضه ؟ قيل : الذي يؤدي إليه نظر الفقيه أنه لا يحرم ; لأنه يحمل على المكافأة على المعروف وهو مندوب إليه شرعا حيث دفعه المقرض قرضا [ ص: 308 ] محضا فجازاه عليه ، ولم يشترط ودفعه المستقرض لا على وجه الربا ، ويظهر في الثانية حرمة الإعانة للعادة المطردة تأمل ، ومنها الصواب أن يقول : والثانية .

( 26 ) قوله : فأجبت بأن المعروف كالمشروط .

قيل عليه : لا ينبغي بل لا يجوز أن يفتى بهذا أصلا ; لأن رواية الضمان على تقدير التصريح بالشرط إنما ذكرت على سبيل إرخاء العنان مع الشافعي القائل بالضمان في الحديث ، وإلا فقال أبدا .

فقوله : أبدا تفيد العموم وشمول حال الشرط ، ومع ذلك صرح به وأقره ، فقال : ولو شرط فيهما الضمان ، وإنما الضمان بالتعدي .

ونقل عن الينابيع ما ذكر عن البزازية أيضا ، وفيه الشرط لغو ولا تضمن ففي كل ذلك تأكيد للحكم وتحذير من أن يعمل بتلك الرواية المخالفة للدراية على تقدير التصريح بالشرط .

وأما عند عدمه فجميع المتون والشروح تنادي بأنه قول مقبول لا مجروح .

قال الإمام المعروف بقاضي خان في فتاويه : رجل أعار شيئا ، وشرط أن يكون المستعير ضامنا لما هلك في يده لم يصح هذا الضمان ، ولا يكون ضامنا عندنا ، ومثله في الخلاصة وغيره ( انتهى ) .

هذا ، وما ذكره المصنف رحمه الله من الجواب مخالف لما ذكره نفسه في الفوائد الزينية : أنه لا يحل الإفتاء من القواعد والضوابط ، وإنما على المفتي حكاية النقل الصريح كما صرحوا به .

التالي السابق


الخدمات العلمية