الأشباه والنظائر على مذاهب أبي حنيفة النعمان

ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

صفحة جزء
والآن نشرع في النوع الثاني من القواعد في قواعد كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية ، ودليلها الإجماع .

[ ص: 325 ] القاعدة الأولى : الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد 1 -

وقد حكم أبو بكر رضي الله عنه في مسائل ، وخالفه عمر رضي الله عنه فيها ، ولم ينقض حكمه وعلته بأنه ليس الاجتهاد الثاني بأقوى من الأول 2 - وأنه يؤدي إلى أن لا يستقر حكم وفيه مشقة شديدة .

3 - وهذا أولى من قوله في الهداية : لأن الاجتهاد الثاني كالاجتهاد [ ص: 326 ] الأول ، وقد ترجح الأول باتصال القضاء به فلا ينقض بما هو دونه ( انتهى ) .

4 - لأنه يكفي بأن الثاني كالأول 5 - ولا حاجة إلى ترجيح الأول بغير السبق مع ما أورده في العناية على قوله : إن الأول ترجح باتصال القضاء بأنه ترجيح للأصل بفرعه ; لأن الأصل في القضاء رأي المجتهد فكيف يترجح بالقضاء .

وإن أجاب عنه بأن الفرع يرجح أصله من حيث بقاؤه لا من حيث إنه منه ، فالشيئان إذا تساويا في القوة ، وكان لأحدهما فرع فإنه يترجح على ما لا فرع له إلى آخره .


[ ص: 325 ] قوله : وقد حكم أبو بكر في مسائله إلخ .

وقد صح أن عمر رضي الله عنه لما كثر اشتغاله قلد القضاء أبا الدرداء ، واختصم إليه رجلان فقضى لأحدهما ثم أتى المقضي عليه عمر رضي الله عنه فسأله عن حاله فقال قضى علي فقال له : لو كنت أنا مكانه لقضيت لك فقال له : ما يمنعك عن القضاء فقال له : ليس هناك نص والرأي مشترك يعني ولا مزية لأحد الرأيين على الآخر .

( 2 ) قوله : وأنه يؤدي إلى أن لا يستقر حكم .

لأنه لو نقض به لنقض النقض أيضا ; لأنه ما من اجتهاد إلا ويجوز أن يتغير ويتسلسل ، وذلك يؤدي إلى عدم الاستقرار ، ومن ثم اتفق العلماء على أنه لا ينقض حكم الحاكم في المسائل المجتهد فيها ، وإن قلنا إن المصيب واحد ; لأنه غير متعين . ( 3 )

قوله : وهذا أولى من قوله في الهداية إلخ . قيل عليه : كيف يكون أولى مما في الهداية مع أن في الهداية ما زعمت أنه يكفي .

وزيادة ترجيح وهو اتصال القضاء به إذ الإقدام عليه ربما يكون مع شيء كان في وقته ، وغيب عن الفاعل بعده إن كان المجتهد الثاني هو الأول ، وأما إن كان غيره فالأمر أظهر .

على أن مجرد السبق لا يظهر كونه مرجحا ، ألا ترى أن في الاجتهاد في القبلة يعمل بالثاني ولا ينظر إلى سبق الأول بل ، ولا إلى العمل به ( انتهى ) .

وقيل : إن كلام صاحب الهداية راجع إليه بنوع عناية كما لا يخفى على ذوي الدراية .

[ ص: 326 ] قوله : ; لأنه يكفي بأن الثاني كالأول ، تعليل لقوله : وهذا أولى .

وحاصله أن ترجيح الأول باتصال القضاء به مستدرك ، والترجيح حاصل بالسبق .

( 5 ) قوله : ولا حاجة إلى ترجيح الأول إلخ : نعم ولكن لا ضرر به .

التالي السابق


الخدمات العلمية