صفحة جزء
" فصل فيما يؤثر عنه من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات "

(أنا ) محمد بن موسى بن الفضل ، أنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، أنا الربيع بن سليمان ، أنا الشافعي - رحمه الله - قال : " قال الله جل ثناؤه : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ) إلى قوله - عز وجل - : ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) . قال : " وكان بينا عند من خوطب بالآية : أن غسلهم إنما يكون بالماء [ثم] أبان الله في [هذه] الآية : أن الغسل بالماء . وكان معقولا عند من خوطب بالآية : [أن الماء ما خلق الله - تبارك وتعالى - مما لا صنعة فيه للآدميين ] . وذكر الماء عاما ؛ فكان ماء السماء ، وماء الأنهار ، والآبار ، والقلات ، والبحار . العذب من جميعه ، والأجاج سواء : في أنه يطهر من توضأ واغتسل به " .

وقال في قوله - عز وجل - : ( فاغسلوا وجوهكم ) " لم أعلم مخالفا في أن الوجه المفروض غسله في الوضوء : ما ظهر دون ما بطن . وقال : وكان معقولا : أن الوجه : ما دون منابت شعر الرأس ، إلى الأذنين ، واللحيين ، والذقن " .

وفي قوله تعالى : ( وأيديكم إلى المرافق ) قال : " فلم أعلم مخالفا [في] أن المرافق فيما يغسل . كأنهم ذهبوا إلى [أن] معناها : فاغسلوا أيديكم إلى أن تغسل المرافق .

[ ص: 44 ] وفي قوله تعالى : ( وامسحوا برؤوسكم ) قال : " وكان معقولا في الآية أن من مسح من رأسه شيئا ، فقد مسح برأسه ، ولم تحتمل الآية إلا هذا - وهو أظهر معانيها - أو مسح الرأس كله قال : فدلت السنة على أن ليس على المرء مسح رأسه كله . وإذا دلت السنة على ذلك فمعنى الآية : أن من مسح شيئا من رأسه أجزأه " .

وفي قوله تعالى : ( وأرجلكم إلى الكعبين ) قال الشافعي : " نحن نقرؤها ( وأرجلكم ) على معنى : اغسلوا وجوهكم ، وأيديكم ، وأرجلكم ، وامسحوا برؤوسكم قال : ولم أسمع مخالفا في أن الكعبين - اللذين ذكر الله - عز وجل - في الوضوء - الكعبان الناتئان - وهما مجمع مفصل الساق ، والقدم - ، وأن عليهما الغسل . كأنه يذهب فيهما إلى اغسلوا أرجلكم حتى تغسلوا الكعبين " . وقال في غير هذه الرواية " والكعب إنما سمي كعبا لنتوئه في موضعه عما تحته ، وما فوقه . ويقال للشيء المجتمع من السمن ، كعب سمن ، وللوجه فيه نتوء وجه كعب ؛ والثدي إذا تناهد ، كعب " .

قال الشافعي - رحمه الله - في روايتنا عن أبي سعيد : " وأصل مذهبنا أنه يأتي بالغسل كيف شاء ، ولو قطعه ؛ لأن الله - تبارك وتعالى - قال : ( حتى تغتسلوا ) فهذا مغتسل ، وإن قطع الغسل ، فلا أحسبه يجوز - إذا قطع الوضوء - إلا مثل هذا " .

قال الشافعي - رحمه الله - : وتوضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أمر الله ، وبدأ بما بدأ الله به . فأشبه (والله أعلم ) أن يكون على المتوضئ في الوضوء شيئان [أن] يبدأ بما بدأ الله ، ثم رسوله - صلى الله عليه وسلم - به منه ، ويأتي على إكمال [ ص: 45 ] ما أمر به وشبهه بقول الله - عز وجل - : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) . فبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصفا ، وقال " نبدأ بما بدأ الله به " . قال الشافعي - رحمه الله - : " وذكر الله اليدين معا ، والرجلين معا ، فأحب أن يبدأ باليمنى ، وإن بدأ باليسرى ، فقد أساء ، ولا إعادة عليه .

وفي قول الله - عز وجل - : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) قال الشافعي - رحمه الله - : " فكان ظاهر الآية أن من قام إلى الصلاة فعليه أن يتوضأ وكانت محتملة أن تكون نزلت في خاص . فسمعت بعض من أرضى علمه بالقرآن ، يزعم : أنها نزلت في القائمين من النوم ، وأحسب ما قال كما قال . لأن [في] السنة دليلا على أن يتوضأ من قام من نومه . قال الشافعي - رحمه الله - : فكان الوضوء الذي ذكره الله - بدلالة السنة - على من لم يحدث غائطا ، ولا بولا دون من أحدث غائطا أو بولا . لأنهما نجسان يماسان بعض البدن . يعني فيكون عليه الاستنجاء ، فيستنجي بالحجارة أو الماء ؛ قال ولو جمعه رجل ، ثم غسل بالماء كان أحب إلي . ويقال إن قوما من الأنصار استنجوا بالماء فنزلت فيهم : ( فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) قال الشافعي - رحمه الله - : ومعقول - إذ ذكر الله تعالى الغائط في آية الوضوء أن الغائط : التخلي ، فمن تخلى وجب عليه الوضوء " . ثم ذكر الحجة من غير الكتاب ، في إيجاب الوضوء بالريح ، والبول ، والمذي ، والودي ، وغير ذلك مما يخرج من سبيل الحدث .

[ ص: 46 ] وفي قوله تعالى : ( أو لامستم النساء ) قال الشافعي : " ذكر الله - عز وجل - الوضوء على من قام إلى الصلاة ، فأشبه أن يكون من قام من مضجع النوم . وذكر طهارة الجنب ، ثم قال بعد ذلك : ( وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء ، فلم تجدوا ماء فتيمموا ) . فأشبه : أن يكون أوجب الوضوء من الغائط ، وأوجبه من الملامسة ، وإنما ذكرها موصولة بالغائط بعد ذكر الجنابة ، فأشبهت الملامسة أن تكون اللمس باليد ، والقبل غير الجنابة " . ثم استدل عليه بآثار ذكرها . قال الربيع : اللمس بالكف ؛ ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الملامسة . والملامسة : أن يلمس الرجل الثوب ، فلا يقبله وقال الشاعر :


فألمست كفي كفه أطلب الغنى ولم أدر أن الجود من كفه يعدي     فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى
[أفدت] وأعداني فبددت ما عندي



هكذا وجدته في كتابي وقد رواه غيره عن الربيع عن الشافعي ، أنا أبو عبد الرحمن السلمي ، أنا : الحسين بن رشيق المصري إجازة ، أنا أحمد بن محمد بن حرير النحوي ، قال : سمعت الربيع بن سليمان يقول فذكر معناه عن الشافعي .

التالي السابق


الخدمات العلمية