الغياثي غياث الأمم في التياث الظلم

الجويني - أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني

صفحة جزء
[ فصل ]

804 - نقل النقلة في مأثور الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " تعلموا الفرائض ، وعلموها الناس ، فإنها تنسى ، وهو أول علم [ ص: 505 ] ينزع من أمتي " والعلم بالفرائض في هذا الزمان غض طري والحمد لله . وفحوى الحديث مبشرة ببقاء علوم الشريعة في عصرنا فإنه قال إن علم الفرائض أول ما ينزع من أمتي .

805 - فلو أعضلت تفاصيل الفرائض ، وهذا [ يعسر ] مع بقاء الذكر في الأصول ، فإن [ فرض ] دروس في التفاصيل ، فالذي يتعلق بمساق الكلام الذي نجريه صنفان :

806 - أحدهما - فيه إذا مات رجل وخلف مختصين به ، وعلم أنهم ورثة ، ولكن أشكل مقدار ما يستحقه كل واحد ، فالذي تقتضيه القاعدة الكلية ، أنهم إذا اصطلحوا وتراضوا على أمر ، نفذ ما تراضوا به .

وإن أبوا وتمانعوا ، فالوجه التسوية بينهم ، فإنهم مع التباس الحال متساوون ، ولا مطمع في ارتفاع اللبس مع انقراض العلماء [ ص: 506 ] ولا وجه لتبقية النزاع بينهم ، مع مسيس حاجتهم فاقتضى مجموع ذلك التسوية .

ونحن نضرب لذلك مثلا من تفاصيل الشرع للإيناس والتشبيه بحال الالتباس ، فنقول :

807 - لو أبهم الرجل طلقة مبينة بين نسوة له ، ومات قبل البيان ، فإنا نقف لهن ميراث زوجة ثم سبيلهن فيما وقف لهن ما ذكرناه ، من الاصطلاح أو التسوية ( 267 ) وهذا يناظر ما نحن فيه من التباس الأمر .

808 - ومما يتصل بهذا أن الرجل إذا مات وخلف طائفة من الأقارب ، وجوزوا أن يكون فيهم محجوبون ، وقدر كل واحد ذلك في نفسه ، واستووا في هذا التردد ، وتحققوا أنهم المستحقون ، أو فيهم المستحقون ، فالذي تقتضيه القاعدة الاصطلاح ، أو التسوية كما سبق تقريره . فهذا أحد الصنفين .

809 - وأما الصنف الثاني ، فهو أن يكون فيهم من نعلم أنه [ ص: 507 ] من المستحقين ، وفيهم من نشك في أنه مستحق أم لا فمن لا يعلم قطعا لنفسه استحقاقا لا نثبت له شيئا من غير دليل يقتضيه .

فالذي نعلم كونه مستحقا إن علم قطعا أنه يستحق النصف وشك في أنه هل يستحق النصف الباقي أم يستحق الرجل المشكوك فيه ؟ فالذي نستيقن استحقاقه يأخذه هو وصاحبه في الباقي متساويان ، والاستحقاق لا يعدوهما ، فيشتركان فيه كما سبق ذكره في أصل الاستحقاق .

ولو لم يدر من يعلم أصل الاستحقاق أن المقدار المستيقن كم ; فيجوز أن يكون أقل القليل ، وجوز أن يثبت له استحقاق الجميع على الاستغراق ، وكان قد درست الفرائض والمقدرات ، فلا يمكن أن يسلم إليه شيء ، إذ لا مقدار إلا ويجوز أن يكون المستيقن أقل منه فجميع المال بينهما على الحكم المقدم فيه إذا كان كل واحد منهما يجوز أن يكون هو المستحق لجميع التركة .

810 - ولو خلف قريبا ، وجوز أهل الزمان أن يكون وارثا مستغرقا ، وجوزوا أن يكون المال مصروفا إلى مصالح المسلمين ، [ ص: 508 ] فهذه الجهة مع الوارث بمثابة قريبين التبس الوارث منهما ، فلتجر هذه المسائل على ( 268 ) قاعدتين :

إحداهما - طلب الاستيقان . والأخرى - [ أن ] الاستحقاق إذا دار بين شخصين أو أشخاص وكان لا يعدوهم الاستحقاق ، واستووا في جهات الإمكان فالمال بينهم على البيان المقدم .

811 - ونحن نختم هذا الفصل الآن بمشكلة عجيبة ، ومعضلة غريبة ، نوردها في معرض السؤال ، ونبين الغرض [ منها ] في معرض الانفصال .

فإن قيل : قد بنيتم فصول الكلام في هذه المرتبة على مستندات مستيقنة ، وكررتم غير مرة أن الظنون لا يرتبط في خلو الدهر عن حملة الشريعة حكم ، فإن ظنون من ليس من أحزاب العلماء لا وقع لها ، وصرتم إلى أنه لا يثبت شيء إلا بقطع ، وقد ناقضتم الآن ما هو قطب الكلام ، وقاعدة المرام ، إذ قلتم إذا دارت التركة المخلفة بين اثنين وجوز كل واحد منهما أن يكون مستحقا مستغرقا وجوز أن يكون محجوبا مزحوما محروما ، فالتركة بينهما ، وليس [ ص: 509 ] واحد منهما على استيقان في الاستحقاق .

812 - فهلا قلتم بناء على اليقين : لا يأخذ واحد منهما شيئا من التركة ؟ من حيث لا يركن إلى قطع في الاستحقاق ، وبناء الأمر على استوائهما ، وإشعار ذلك بتوزيع التركة عليهما من أدق مسالك الظنون ، وأغمض فنون المجتهدات في الدعاوى والبينات ، وغيرهما من المشكلات ، ولا يستقل به إلا فطن ريان من علوم التفاصيل في التكاليف .

والمرتبة الثالثة مبناها على دروس العلم بفروع الشريعة وفصولها مع بقاء قواعدها وأصولها ؟ فهذا هو السؤال .

813 - وسبيل الانفصال عنه أن نعترف أولا بانتفاء اليقين كما أوضحه السائل ، ثم نعترف بأن واحدا من الرجلين غير مستيقن استحقاق ( 269 ) نفسه ، ولكنا نقول :

814 - من الأصول التي آل إليه مجامع الكلام أنه : إذا لم يستيقن حجر وحظر من الشارع في شيء ، فلا يثبت فيه تحريم في [ ص: 510 ] خلو الزمان ، فإن لم يستيقن واحد منهما استحقاقا ، فليس نعلم أيضا حجرا عليه فيما يأخذه ، وقد تحققنا أن الاستحقاق لا يعدوهما ، فعدم الاستيقان في الاستحقاق يعارضه انتفاء الدليل في الحظر ، وموجب ذلك رفع الحجر والحرج .

فإن اقتسما على اصطلاح وتراض ، فلا إشكال في انتفاء الحرج عنهما ، وإن تنازعا والنزاع مقطوع في أصل الشريعة - فلا مسلك قطعا في قطعه إلا ما ذكرناه .

فلينعم المنتهي إلى هذا المنتهى نظره ، ففيه بيان بقايا تركتها لكل غواص منته ، ونتائج القرائح لا تنتهي .

815 - فإن قيل : لا يتوصل إلى هذه الدقائق إلا مدرب في مأخذ الحقائق ، فكيف يدركه بنو الزمان الشاغر عن علماء الشريعة ؟

قلنا : إن ثبت أن ما ذكرناه مستنده القطع ، فعلى أهل الزمان بذل المجهود في دركه ، فإذا فرضنا بقاء أصول الشريعة ، [ ص: 511 ] فمن أجلاها علم بني الزمان بأن ما يتصور الوصول إلى الاستيقان فيه في الشريعة ، فيتعين التوصل إليه .

816 - ورب شيء مدركه القطع ، وفي دركه عسر وعناء ، وهذا كالقول في قواعد العقائد ، فإنا إذا أوجبنا العلم بها فقد يدق مدركها ، ويتوعر مسلكها ، ولكنها إذا كانت مستدركة بأساليب العقول تعين السعي في إدراكها .

817 - فهذا نهاية المقصود في المكاسب . ومن أحاط بها ، لم يخف عليه مسلك يطالع به ، ويراجع فيه في جهات المطالب ، وفنون المكاسب .

التالي السابق


الخدمات العلمية