صفحة جزء
765 - أنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن أبي سليمان المعدل ، أنا أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي ، نا محمد بن محمد الواسطي ، نا علي بن المديني ، نا يحيى بن سعيد ، نا شعبة ، قال : حدثني عمر بن سليمان ، من ولد عمر بن الخطاب ، عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان ، عن أبيه ، قال : خرج زيد بن ثابت من عند مروان بن الحكم قريبا ، أو نحوا من نصف النهار ، قال : فقلت ما يخرج هذه الساعة إلا قد سأله عن شيء ، قال : فقمت إليه فسألته ، فقال : سألنا عن أشياء سمعناها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : " نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره ، فرب حامل [ ص: 140 ] فقه ليس بفقيه ، ورب حامل إلى من هو أفقه منه " .

فأخبر صلى الله عليه وسلم ، أنه قد يحمل الحديث من يكون له حافظا ، ولا يكون فيه فقيها ، وأكثر كتبة الحديث في هذا الزمان بعيد من حفظه ، خال من معرفة فقهه ، لا يفرقون بين معلل وصحيح ، ولا يميزون بين معدل من الرواة ومجروح ، ولا يسألون عن لفظ أشكل عليهم رسمه ، ولا يبحثون عن معنى خفي عنهم علمه ، مع أنهم قد أذهبوا في كتبه أعمارهم ، وبعدت في الرحلة لسماعه أسفارهم ، فجعلوا لأهل البدع من المتكلمين ، ولمن غلب عليه الرأي من المتفقهين طريقا إلى الطعن على أهل الآثار ، ومن شغل وقته بسماع الأحاديث والأخبار ، حتى وصفوهم بضروب الجهالات ، ونبروهم بأسوأ المقالات ، وأطلقوا ألسنتهم بسبهم ، وتظاهروا بعيب المتقدمين وثلبهم ، وضربوا لهم المثل ، بقول الشاعر :


زوامل للأسفار لا علم عندهم بجيدها إلا كعلم الأباعر [ ص: 141 ]     لعمرك ما يدري المطي إذا غدا
بأحماله أو راح ما في الغرائر



كل ذلك لقلة بصيرة أهل زماننا بما جمعوه ، وعدم فقههم بما كتبوه وسمعوه ، ومنعهم نفوسهم عن محاضرة الفقهاء ، وذمهم مستعملي القياس من العلماء ، لسماعهم الأحاديث التي تعلق بها أهل الظاهر في ذم الرأي والنهي عنه ، والتحذير منه ، وأنهم لم يميزوا بين محمود الرأي ومذمومه ، بل سبق إلى نفوسهم أنه محظور على عمومه ، ثم قلدوا مستعملي الرأي في نوازلهم ، وعولوا فيها على أقوالهم ومذاهبهم ، فنقضوا بذلك ما أصلوه واستحلوا ما كانوا حرموه ، وحق لمن كانت حاله هذه أن يطلق فيه القول الفظيع ، ويشنع عليه بضروب التشنيع ، فأبلغ مني ما ذكرته اغتماما ، وأثر في معرفتي به اهتماما لأمرين :

أحدهما : قصد من ذكرت بكبر الوقيعة ، متقدمي أئمة أهل الحديث ، القائمين بحفظ الشريعة ، لأنهم رأس مالي ، وإلى علمهم مآلي ، وبهم فخري وجمالي ، نحو : مالك والأوزاعي ، وشعبة ، والثوري ، ويحيى بن سعيد القطان ، وابن مهدي عبد الرحمن ، وعلي بن المديني الأمين ، وأحمد بن حنبل ، وابن معين ، ومن خلفهم من الأئمة الأعلام ، على مضي الأوقات وكرور الأيام ، فبهم في علم الحديث أكبر الفخر ، لا بناقليه وحامليه في هذا العصر كما أنشدني أبو عبد الله : محمد بن علي الصوري ، قال : أنشدني أبو يعلى : محمد بن الحسين البصري لنفسه :


أهل التصوف أهلي     وهم جمالي ونبلي
ولست أعني بهذا إلا لمن كان قبلي



[ ص: 142 ] والأمر الآخر : ازدراؤهم بمن في وقتنا ، والمتوسمين بالحديث من أهل عصرنا ، فإن لهم حرمة ترعى ، وحقا يجب أن يؤدى لتحرمهم بسماعه واكتتابه ، وتشبههم بأهله وأصحابه ، وقد دلتنا الشريعة على السماع منهم ، وأذنت لنا في الأخذ عنهم ، وورد بذلك مأثور الأثر عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم ، وأقر بالزلفة عينيه في قوله : " نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه " ، غيره إلى آخر الكلام الذي أوردناه في أول هذا الفصل .

التالي السابق


الخدمات العلمية