صفحة جزء
فصل :

295 - ذكر محمد بن إسحاق في كتاب المبعث من رواية سلمة بن الفضل الأنصاري ، قال : فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما يرى من قومه يبذل لهم النصيحة ، ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه ، وجعلت قريش حين منعه الله منهم يحذرونه الناس ، ومن قدم عليهم من العرب ، فكان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها ، فمشى إليه رجال من قريش ، وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا ، فقالوا له : يا طفيل ، إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا ، وفرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وإنما قوله كالسحر ، يفرق به بين الرجل وبين ابنه ، وبين الرجل وبين أخيه ، وبين الرجل وبين زوجته ، وإنا نخشى عليك ، وعلى قومك ما قد دخل علينا ، فلا تكلمنه ، ولا تسمعن منه ، قال : فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ، ولا أكلمه ، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا من أن يبلغني شيء من قوله ، قال : فغدوت إلى المسجد ، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يصلي عند الكعبة ، قال : فقمت قريبا [ ص: 213 ] منه ، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله ، فسمعت كلاما حسنا ، قال : فقلت في نفسي : واثكل أمي ، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ؟ فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته ، وإن كان قبيحا تركته ، قال : فمكثت حتى انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيته ، فاتبعته ، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه ، فقلت : يا محمد ، إن قومك قالوا لي كذا ، وكذا للذي قالوا ، فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لأن لا أسمع قولك ، ثم أبى الله تبارك وتعالى إلا أن يسمعنيه ، فسمعت قولا حسنا ، فاعرض علي أمرك ، فعرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي الإسلام ، وتلا علي القرآن ، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ، ولا أمرا أعدل منه ، فأسلمت ، وشهدت شهادة الحق ، وقلت يا نبي الله ، إني امرؤ مطاع في قومي ، وإني راجع إليهم ، فداعيهم إلى الإسلام ، فادع الله لي أن يجعل لي آية تكون لي عونا فيما أدعوهم إليه ، فقال : اللهم اجعل له آية ، قال : فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر ، وقع نور بين عيني مثل المصباح ، قال : فقلت : اللهم في غير وجهي إني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراق دينهم ، قال : فتحول ، فوقع في رأس سوطي ، فجعل أهل الحاضر يتراؤون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق ، وأنا أنهبط إليهم من الثنية حتى جئتهم ، فأصبحت فيهم ، فلما نزلت أتاني أبي ، وكان شيخا كبيرا ، فقلت : إليك عني يا أبة ، فلست مني ، ولست منك ، قال : لم يا بني ؟ قال : قلت : أسلمت ، وتابعت دين محمد - صلى الله عليه وسلم - ، قال : أي بني ، فديني دينك ، قال : قلت : فاذهب يا أبة فاغتسل ، وطهر ثيابك ، ثم تعال حتى أعلمك ما علمت ، قال : فذهب فاغتسل ، وغسل ثيابه ، ثم جاء ، فعرضت إليه الإسلام ، فأسلم ، ثم أتتني صاحبتي ، فقلت : لها إليك عني ، فلست مني ، ولست منك ، قالت : لم ؟ بأبي أنت وأمي ، قال : قلت : فرق الإسلام بيني وبينك ، أسلمت ، وتابعت دين محمد - صلى الله عليه وسلم - ، قالت : فديني دينك ، قال : قلت : فاذهبي إلى حناذي الشرى ، فتطهري منه ، وكان ذو الشرى صنما لدوس ، وكان الحنا حمى حموه له به ، وشل من ماء يهبط إليه من جبل ، قال : قالت : بأبي أنت وأمي أتخشى على الصبية من ذي الشرى شيئا ، قال : قلت : لا ، أنا ضامن لذلك ، قال : فذهبت فاغتسلت ، ثم جاءت ، فعرضت عليها الإسلام ، فأسلمت ، ثم دعوت دوسا إلى الإسلام ، فأبطؤوا علي ، فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة ، فقلت : يا نبي الله ، إنه قد غلبني على دوس الزنى ، فادع الله عليهم ، [ ص: 214 ] فقال : اللهم اهد دوسا ، ارجع إلى قومك ، فادعهم إلى الله ، وارفق بهم ، فرجعت إليهم ، فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله ، وإلى الإسلام حتى هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ، ومضى بدر ، وأحد ، والخندق ، فقدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمن أسلم معي من قومي ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر ، فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس ، ثم لحقنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر ، فأسهم لنا مع المسلمين ، ثم لم نزل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا فتح الله عليه مكة ، قلت : يا رسول الله ، ابعثني إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه بالنار ، قال : فبعثني إليه ، فحرقته بالنار ، فقال الطفيل بن عمرو في تحريقه صنم عمرو بن حممة :


يا ذا الكفين لست من عبادك ميلادنا أقدم من ميلادك


أنا حشوت النار في فؤادك



قال : ثم رجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكان عنده بالمدينة ، وقال الطفيل في النور الذي رأى ، ودعا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له :


ألا أبلغ لديك بني لؤي     بأن الله حق أي حق
إله فوقنا عنا غني     وينزل من سمائه كل ودق
يشق الأرض للأشجار حتى     تمكنها البهائم أي شق
ويسمع قولنا سرا وجهرا     ويعلم كل منكم بأفق
، ويحصي ما تقدم كل نفس     فيجزيها به وفقا بوفق
له منا الحياة وحين تقضي     ومرجعنا إليه وكل خلق
فإن محمدا عبد نبي     رسول الله أرسله بحق
وخصه بالنبوة واصطفاه     وألقى عن وتينه كل وسق
فإن كذبتموه كان منكم     شجا بين الوريد وبين حلق
رأيت علامة والليل داج     على ظهر الطريق كضوء برق
علامة أحمد إذ سأل ربا     يكن لي آية مصداق صدق



قال ابن إسحاق : فلما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وارتدت العرب خرج الطفيل مع المسلمين ، [ ص: 215 ] وسار معهم حتى فرغوا من طليحة ، ومن أرض نجد كلها ، ثم سار مع المسلمين إلى أرض اليمامة ، ومعه ابنه عمرو بن الطفيل ، فرأى رؤيا وهو متوجه إلى اليمامة ، فقال لأصحابه : إني قد رأيت رؤيا ، فاعبروها لي ، رأيت أن رأسي قد حلق ، وأنه قد خرج من فمي طائر ، وأنها لقيتني امرأة ، فأدخلتني في فرجها ، ورأيت ابني يطلبني طلبا حثيثا ، ثم رأيته حبس عني ، قالوا : خيرا ، أما أنا ، فقد أولتها ، قالوا : وماذا ؟ قال : أما حلق رأسي ، فوضعه ، وأما الطائر الذي خرج من فمي فروحي ، وأما المرأة التي أدخلتني في فرجها ، فالأرض تحفر لي ، فأغيب فيها ، وأما طلب ابني ، ثم حبسه عني ، فإنه أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني ، قال : فقتل الطفيل - رحمه الله - شهيدا باليمامة ، وجرح ابنه عمرو جراحا شديدا ، ثم استبل منها ، ثم قتل عام اليرموك في زمان عمر - رضي الله عنه - شهيدا .

التالي السابق


الخدمات العلمية