صفحة جزء
فصل في قصة الجساسة وشهادة الدجال بنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم :

52 - أخبرنا محمد بن أحمد بن علي الفقيه ، أنا أحمد بن موسى الحافظ ، ثنا أحمد بن محمد بن زياد ، ثنا محمد بن غالب بن حرب ، ثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو ، ثنا عبد الوارث بن سعيد عن الحسين بن ذكوان ، ثنا ابن بريدة حدثني عامر الشعبي قال سألت فاطمة بنت قيس أخت ضحاك بن قيس وكانت من المهاجرات الأول قلت حدثيني حديثا سمعتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسنديه إلى غيره قالت لئن شئت لأفعلن فقال لها أجل حدثيني قالت نكحت حفص بن المغيرة وهو من خيار شباب قريش فأصيب في أول الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم على مولاه أسامة بن زيد وكنت قد حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أحبني فليحب أسامة فلما كلمني رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت أمري بيدك فزوجني ممن شئت فقال انتقلي إلى أم شريك امرأة من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله ينزل عليها الضيفان فقلت سأفعل فقال لا تفعلي أم شريك امرأة كثيرة الضيفان وإني أكره أن يسقط عنك خمارك أو ينكشف عن ساقيك فيلقون منك بعض ما تكرهين ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم وهو رجل من بني فهر وهو من البطن الذي هي منه فلما انقضت العدة سمعت قول المنادي منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي الصلاة جامعة فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبثت في صف النساء الذي ظهر القوم فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يضحك فقال ليلزم كل إنسان مصلاه، ثم قال هل تدرون لم جمعتكم قالوا الله ورسوله أعلم قال إني والله ما جمعتكم لرغبة [ ص: 68 ] ولا لرهبة ولكن جمعتكم أن تميم الداري كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع وأسلم وحدثني حديثا وافق الذي كنت أحدثكم عن المسيح الدجال حتى أنه ذكر سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهرا في البحر ثم أرفوا إلى جزيرة في البحر عند مغرب الشمس فجلسوا في قارب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة كثيرة الشعر لا يعرفون قبله من دبره من كثرة الشعر فقالوا ويلك ما أنت قالت أنا الجساسة قالوا وما الجساسة فقالت أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق قال فلما سمت لنا رجلا فرقنا أن تكون شيطانة قال فانطلقنا سرعانا حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط وأشده وثاقا مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد قلنا ويلك ما أنت فقال قد قدرتم علي خبروني فأخبرني من أنتم قالوا نحن ناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم فلعب بنا البحر شهرا ثم أرفينا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة فلقينا دابة أهلب كثيرة الشعر وما ندري ما قبله من دبره من كثرة الشعر فقلنا ويلك ما أنت فقالت أنا الجساسة قلنا وما الجساسة قالت اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق فأقبلنا إليك سرعانا وفرغنا منها وما أمنا أن تكون شيطانة فقال أخبروني عن نخل بيسان قلت عن أي شأنها تستخبر قال هل فيها ماء قالوا هي كثيرة الماء قال أخبروني عن عين زغر قالوا عن أي شأنها تستخبر قال هل في العين ماء وهل يزرع أهلها بماء العين قلنا نعم وهي كثيرة الماء وأهلها يزرعون بمائها قال أخبروني عن النبي الأمي ما فعل قالوا خرج من مكة ونزل يثرب قال أفقاتلته العرب قلنا نعم قال كيف صنع بهم فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه قال أقد كان ذاك قلنا نعم قال أما إن ذاك خير لهم أن يصنعوه وإني مخبركم عني إني أنا المسيح وإنه يوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة وهما محرمتان علي كلما أردت أن أدخل واحدة منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدني عنها وأن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وطعن بمخصرته المنبر هذه طيبة هذه طيبة هذه طيبة يعني المدينة ألا هل كنت حدثتكم ذلك فقال الناس نعم فإنما أعجبني حديث تميم الداري أنه وافق الذي كنت [ ص: 69 ] حدثتكم عنه وعن المدينة ومكة إلا أنه في بحر الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل المشرق ما هو وأومأ بيده قبل المشرق قالت حفظته هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال الإمام رحمه الله : قوله أيمت كذا في كتابي والصواب إمت يقال آمت المرأة تئيم إذا مات زوجها أو قتل آم يئيم على وزن عام يعيم إذا اشتهى اللبن يقال عمت إلى اللبن أعيم والأول جمع الأولى ، وقوله الذي ظهر القوم يعني الصف الذي خلف القوم يعني خلف الرجال ، وقوله حتى إنه يذكر سفينة المحفوظ حدثني أنه ركب سفينة بحرية ، قوله أرفوا يقال أرفيت السفينة إذا مسكتها عن الجري وألجأتها إلى شاطئ البحر وقارب السفينة سفينة صغيرة تشتد إلى السفينة الكبيرة فيركبها الواحد والاثنان إذا انكسرت الكبيرة ، والدابة اسم يقع على الذكر والأنثى وقد ذكر في هذا الحديث مرة على التأنيث ومرة على التذكير ، والأشواق جمع شوق ، وفرقنا أي خفنا ، وسرعانا المحفوظ سراعا جمع سريع ، اغتلم هاج واضطرب ، وقوله عن نخل بيسان سقط من هذه الرواية يعني كلمات يعني قلنا عن أي شأنها تستخبر قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا له: نعم ، قال: أما إنه يوشك أن لا يثمر ، أخبروني عن بحيرة الطبرية؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر، قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء، قال: إن ماءها يوشك أن يذهب ، وقوله: صلتا أي: مجردا شاهرا ، والدجال يسمى مسيحا لأن إحدى عينيه ممسوحة عن أن يبصر بها أكثر الروايات بفتح الميم وتخفيف السين، ويدل على ذلك وأما مسيح الضلالة فلأن عيسى عليه السلام مسيح الهدى، وقيل: سمي الدجال مسيحا لأنه يمسح الأرض أي: يقطعها فعلى هذا مسيح فعيل بمعنى فاعل، وعلى الوجه الأول فعيل بمعنى مفعول.

واحتج الخليل ببيت الشاعر :


إذا المسيح يقتل المسيحا



وأما من قال: مسيح بكسر الميم وتشديد السين، فوزنه فعيل من المسح أي: يمسح الأرض بالسير والجري فيها وبالفتح والتخفيف أكثر ، والجساسة الذي يتجسس الأخبار ويتتبعها ويكثر البحث عنها والهاء في الكلمة للمبالغة ويمكن أن تكون امرأة ، وقوله من كثرة الشعر يعني شعر الرأس غطى جميع بدنه لكثرته ، وأما صرف الدجال عن مكة والمدينة فلفضيلة النبي صلى الله عليه وسلم كان منشأه بمكة ، ومدفنه بالمدينة ، والدابة كل ما يدب على وجه الأرض أي يمشي مشيا متقاربا . [ ص: 70 ]

وفي رواية غيلان بن جرير عن الشعبي فلقي إنسانا يجر شعره وفي رواية ما فعل النبي الذي خرج فيكم قلنا قد آمن به الناس واتبعوه وصدقوه قال ذاك خير لهم ، وفي غير هذه الرواية فوثب وثبة كاد أن يخرج من وراء الجدار .

وفي رواية أبي الزناد عن الشعبي فإذا هم بشيخ مربوط بسلاسل . وفي هذه الرواية فإذا هم بامرأة شعثاء سوداء لها شعر منكر ، عين زغر وبحيرة الطبرية ونخل بيسان كلها بالشام ، وفي رواية ركب البحر فتاهت به سفينته فسقط إلى جزيرة وخرج إليها يلتمس الماء فلقي إنسانا يجر شعره .

التالي السابق


الخدمات العلمية