صفحة جزء
فصل: قال المصنف رحمه الله: وقد كان في الصوفية من إذا لبس ثوبا خرق بعضه وربما أفسد الثوب الرفيع القدر أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز ، نا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ، نا الحسن بن غالب المقري قال سمعت عيسى بن علي الوزير يقول: كان ابن مجاهد يوما عند أبي فقيل له الشبلي فقال يدخل فقال ابن مجاهد سأسكته الساعة بين يديك، وكان من عادة الشبلي إذا لبس شيئا خرق فيه موضعا فلما جلس قال له ابن مجاهد يا أبا بكر أين في العلم فساد ما ينتفع به؟ فقال له الشبلي أين في العلم ( فطفق مسحا بالسوق والأعناق ) قال فسكت ابن مجاهد ، فقال له أبي أردت أن تسكته فأسكتك، ثم قال له قد أجمع الناس إنك مقرئ الوقت فأين في القرآن إن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ قال فسكت ابن مجاهد فقال له أبي قل يا أبا بكر فقال قوله تعالى: ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم ) فقال ابن مجاهد كأنني ما سمعتها قط.

قال المصنف رحمه الله: قلت هذه الحكاية أنا مرتاب بصحتها لأن الحسن بن غالب كان لا يوثق به. أخبرنا القزاز ، نا أبو بكر الخطيب قال ادعى الحسن بن غالب أشياء تبين لنا فيها كذبه واختلاقه فإن كانت صحيحة فقد أبانت عن قلة فهم الشبلي حين احتج بهذه الآية. وقلة فهم ابن مجاهد حين [ ص: 197 ] سكت عن جوابه وذلك أن قوله: ( فطفق مسحا بالسوق والأعناق ) لأنه لا يجوز أن ينسب إلى نبي معصوم أنه فعل فسادا والمفسرون قد اختلفوا في معنى الآية فمنهم من قال مسح على أعناقها وسوقها وقال أنت في سبيل الله فهذا إصلاح، ومنهم من قال عقرها وذبح الخيل وأكل لحمها جائز فما فعل شيئا فيه جناح، فأما إفساد ثوب صحيح لا لغرض صحيح فإنه لا يجوز، ومن الجائز أن يكون في شريعة سليمان جواز ما فعل ولا يكون في شرعنا. أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ أنبأنا محمد بن أحمد بن أبي الصقر ، ثنا علي بن الحسن بن جحاف الدمشقي قال أبو عبد الله أحمد بن عطاء كان مذهب أبي علي الروزباري تخريق أكمامه وتفتيق قميصه. قال فكان يخرق الثوب المثمن فيرتدي بنصفه ويأتزر بنصفه حتى أنه دخل الحمام يوما وعليه ثوب ولم يكن مع أصحابه ما يأتزرون به فقطعه على عددهم فاتزروا به وتقدم إليهم أن يدفعوا الخرق إذا خرجوا للحمامي. قال ابن عطاء قال لي أبو سعيد الكازروني كنت معه في هذا اليوم وكان الرداء الذي قطعه يقوم بنحو ثلاثين دينارا.

قال المصنف رحمه الله: ونظير هذا التفريط ما أنبأنا به زاهر بن طاهر قال أنبأنا أبو بكر البيهقي ، نا أبو عبد الله الحاكم قال سمعت عبد الله بن يوسف يقول سمعت أبا الحسن البوشنجي يقول: كانت لي قبجة طلبت بمائة درهم فحضرني ليلة غريبان فقلت للوالدة عندك شيء لضيفي. قالت: لا إلا الخبز. فذبحت القبجة وقدمتها إليهما.

قال المصنف رحمه الله: قد كان يمكنه أن يستقرض ثم يبيعها ويعطي فلقد فرط أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد قال أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت جدي يقول دخل أبو الحسن الدراج البغدادي الري وكان يحتاج إلى لفاف لرجله فدفع إليه رجل منديلا ديبقيا فشقه نصفين وتلفف به فقيل له لو بعته واشتريت منه لفافا وأنفقت الباقي فقال رحمه الله: أنا لا أخون المذهب.

قال المصنف: وقد كان أحمد الغزالي ببغداد فخرج إلى المحول فوقف على [ ص: 198 ] ناعورة تئن فرمى طيلسانه عليها فدارت فتقطع الطيلسان.

قال المصنف رحمه الله: قلت فانظر إلى هذا الجهل والتفريط والبعد من العلم فإنه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن إضاعة المال، ولو أن رجلا قطع دينارا صحيحا وأنفقه كان عند الفقهاء مفرطا فكيف بهذا التبذير المحرم، ونظير هذا تمزيقهم الثياب المطروحة عند الوجد على ما سيأتي ذكره إن شاء الله ثم يدعون أن هذه الحالة لا خير في حالة تنافي الشرع أفتراهم عبيد نفوسهم أم أمروا أن يعملوا بآرائهم فإن كانوا عرفوا أنهم يخالفون الشرع بفعلهم هذا ثم فعلوه أنه لعناد، وإن كانوا لا يعرفون فلعمري إنه لجهل شديد. أخبرنا محمد بن أبي القاسم ، نا حمد بن أحمد ، نا أبو نعيم أحمد بن عبد ربه الحافظ قال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت عبد الله الرازي يقول: لما تغير الحال على أبي عثمان وقت وفاته مزق ابنه أبو بكر قميصا كان عليه ففتح أبو عثمان عينه وقال يا بني خلاف السنة في الظاهر ورياء باطن في القلب.

التالي السابق


الخدمات العلمية