صفحة جزء
[فصل]

: وقد تشبث القاعدون عن التكسب بتعللات قبيحة . منها أنهم قالوا لا بد من أن يصل إلينا رزقنا وهذا في غاية القبح فإن الإنسان لو ترك الطاعة وقال لا أقدر بطاعتي أن أغير ما قضى الله علي فإن كنت من أهل الجنة [ ص: 278 ] فأنا إلى الجنة أو من أهل النار فأنا من أهل النار . قلنا له هذا يرد الأوامر كلها ولو صح لأحد ذلك لم يخرج آدم من الجنة لأنه كان يقول ما فعلت إلا ما قضى علي . ومعلوم أننا مطالبون بالأمر لا بالقدر . ومنها أنهم يقولون أين الحلال حتى نطلب وهذا قول جاهل لأن الحلال لا ينقطع أبدا لقوله صلى الله عليه وسلم : "الحلال بين والحرام بين" ومعلوم أن الحلال ما أذن الشرع في تناوله وإنما قولهم هذا احتجاج للكسل . ومنها أنهم قالوا إذا كسبنا أعنا الظلمة والعصاة مثل ما أخبرنا به عمر بن ظفر ، نا جعفر بن أحمد ، نا عبد العزيز بن علي ، نا ابن جهضم ، نا علي بن محمد السيرواني قال سمعت إبراهيم الخواص يقول طلبت الحلال في كل شيء حتى طلبته في صيد السمك فأخذت قصبة وجعلت فيها شعرا وجلست على الماء فألقيت الشص فخرجت سمكة فطرحتها على الأرض وألقيت الثانية فخرجت لي سمكة فأنا أطرحها ثالثة إذا من ورائي لطمة لا أدري من يد من هي ولا رأيت أحدا وسمعت قائلا يقول أنت لم تصب رزقا في شيء إلا أن تعمد إلى من يذكرنا فتقتله قال فقطعت الشعر وكسرت القصبة وانصرفت . أنبأنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيري ثنا أبي قال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا عثمان بن الآدمي قال سمعت إبراهيم الخواص يقول طلبت فقصدت إلخ ما تقدم .

قال المصنف رحمه الله قلت : وهذه القصة إن صحت فإن في الروايتين بعض من يتهم فإن اللاطم إبليس وهو الذي هتف به لأن الله تعالى أباح الصيد فلا يعاقب على ما أباحه وكيف يقال له تعمد إلى من يذكرنا فتقتله وهو الذي أباح له قتله وكسب الحلال ممدوح ولو تركنا الصيد وذبح الأنعام لأنها تذكر الله تعالى لم يكن لنا ما يقيم قوى الأبدان لأنه لا يقيمها إلا اللحم فالتحري من أخذ السمك وذبح الحيوان مذهب البراهمة فانظر إلى الجهل ما يصنع وإلى إبليس كيف يفعل . أخبرنا أبو منصور القزاز ، نا أحمد بن علي بن ثابت ، نا عبد العزيز بن علي الأزجي ، ثنا علي بن عبد الله الهمداني ، ثنا محمد بن جعفر ، ثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الملك قال سمعت شيخا يكنى أبا تراب يقول قيل لفتح الموصلي أنت صياد بالشبكة ولم تصد شيئا إلا وتطعمه لعيالك فلم تصد وتبيع ذلك الناس [ ص: 279 ] فقال أخاف أن أصطاد مطيعا لله تعالى في جوف الماء فأطعمه عاصيا لله على وجه الأرض .

قال المصنف رحمه الله قلت : إن صحت هذه الحكاية عن فتح الموصلي فهو من التعلل البارد المخالف للشرع والعقل لأن الله تعالى أباح الكسب وندب إليه فإذا قال قائل ربما خبزت خبزا فأكله عاص كان حديثا فارغا لأنه لا يجوز لنا إذا أن نبيع الخبز لليهود والنصارى .

التالي السابق


الخدمات العلمية