صفحة جزء
ذكر الحث على لزوم كتمان السر

أنبأنا محمد بن سليمان بن فارس الدلال ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد العبدي ، حدثنا الهيثم بن أيوب العطار السلمي ، حدثنا سهل بن عبد الرحمن ، عن محمد بن مطرف أبي غسان ، عن محمد بن المنكدر ، عن عروة ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "استعينوا على الحوائج بكتمان السر؛ فإن لكل نعمة حاسدا".

[ ص: 188 ] قال أبو حاتم - رضي الله عنه - : هذا إسناد حسن، وطريق غريب، إن كان عروة هذا هو ابن الزبير بن العوام ، وسعيد بن سلام: ما أرى حفظ حديثه؛ فلذلك تنكبت عن ذكره.

فالواجب على من سلك سبيل ذوي الحجى لزوم ما انطوى عليه الضمير بتركه إبداء المكنون فيه، لا إلى ثقة، ولا إلى غيره، فإن الدهر لا بد من أن يضرب ضرباته، فيوقع ضد الوصل بينهما بحالة من الأحوال، فيخرجه وجود ضد ما انطوى عليه قديما من وفائه إلى صحة الخروج بالكلية إلى جفائه، بإبداء مكتوماته، والكشف عن مخبآته.

ولقد أنبأنا محمد بن عثمان العقبي ، حدثني محمد بن عبد الكريم العبدي ، حدثنا بكر بن يونس بن بكير ، حدثني موسى بن علي ، عن أبيه، عن عمرو بن العاص أنه، قال: عجبت من الرجل يفر من القدر، وهو مواقعه، ومن الرجل يرى القذاة في عين أخيه ويدع الجذع في عينه، ومن الرجل يحرج الضغن من موضع ويدع الضغن في نفسه، وما ندمت على أمر قط فلمت نفسي على تندمي عليه، وما وضعت سري عند أحد فلمته على أن يفشيه، كيف ألومه وقد ضقت به؟! وأنشدني علي بن محمد البسامي:


تبيح بسرك ضيقا به وتبغي لسرك من يكتم     وكتمانك السر ممن تخاف
ومن لا تخافنه أحزم     إذا ذاع سرك من مخبر
فأنت، وإن لمته، ألوم



وأنشدني عبد العزيز بن سليمان:


إذا ضاق صدر المرء عن بعض سره     فألقاه في صدري، فصدري أضيق
ومن لامني في أن أضيع سره     وضيعه قبلي، فذو السر أخرق



[ ص: 189 ] أخبرنا محمد بن المهاجر المعدل ، حدثنا أحمد بن محمد الصيداوي ، حدثنا حماد بن إسحاق، عن المدائني، قال: كان يقال: أصبر الناس الذي لا يفشي سره إلى صديقه؛ مخافة أن يقع بينهما شيء فيفشيه، وأنشدني البغدادي:


صن السر بالكتمان يرضيك غبه     فقد يظهر المرء المضيع فيندم
فلا تلجئن سرا إلى غير حرزه     فيظهر حرز السوء ما كنت تكتم



وأنشدني محمد بن إسحاق الواسطي:


إذا المرء لم يحفظ سريرة نفسه     وكان لسر الأخ غير كتوم
فبعدا له من ذي أخ ومودة     وليس على ود له بمقيم



قال أبو حاتم - رضي الله عنه - : من حصن بالكتمان سره تم له تدبيره، وكان له الظفر بما يريد، والسلامة من العيب، والضرر، وإن أخطأه التمكن والظفر، والحازم يجعل سره في وعاء، ويكتمه عن كل مستودع، فإن اضطره الأمر وغلبه أودعه العاقل الناصح له؛ لأن السر أمانة، وإفشاؤه خيانة، والقلب له وعاؤه، فمن الأوعية ما يضيق بما يودع، ومنها ما يتسع لما استودع. وأنشدني الكريزي:


اجعل لسرك من فؤادك منزلا     لا يستطيع له اللسان دخولا
إن اللسان إذا استطاع إلى الذي     كتم الفؤاد من الشؤون وصولا
ألفيت سرك في الصديق وغيره     من ذي العداوة فاشيا مبذولا



وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري:


سأكتمه سري وأكتم سره     ولا غرني أني عليه كريم
حليم فيفشي، أو جهول يذيعه     وما الناس إلا جاهل وحليم



أخبرني محمد بن سعيد القزاز ، حدثنا إبراهيم بن الجنيد ، حدثني علي بن عيسى ، عن محمد ، عن ابن الأعرابي، قال: كان يقال: العاقل من حذر صديقه.

[ ص: 190 ] وأنشدني بعض إخواننا:


لعمرك كتمان الفتى سر ما نوى     أعف وأدنى للرشاد وأكرم
وأجمل في بث الحديث مقالة     وأحسن في الأخلاق دوما وأحزم



وأنشدني الكريزي:


إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها     فأنت إذا حملته الناس أضيع
ويضحك في وجهي إذا ما لقيته     وينهشني بالغيب يوما ويلسع



قال أبو حاتم - رضي الله عنه - : الإفراط في الاسترسال بالأسرار عجز، وما كتمه المرء من عدوه فلا يجب أن يظهره لصديقه، وكفى لذوي الألباب عبرا ما جربوا، ومن استودع حديثا فليستر، ولا يكن مهتاكا، ولا مشياعا؛ لأن السر إنما سمي سرا؛ لأنه لا يفشى.

فيجب على العاقل أن يكون صدره أوسع لسره من صدر غيره بأن لا يفشيه، ولقد أنبأنا محمد بن المهاجر المعدل ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن يعقوب الأعلم، قال: أنشدني محمد بن سليمان بن سلام الجمحي لرجل من عبد شمس:


إذا ما ضاق صدرك عن حديث     فأفشاه الرجال، فمن تلوم؟
إذا عاتبت من أفشى حديثي     وسري عنده فأنا الظلوم
وإني يوم أسأم حمل سري     وقد ضمنته صدري سؤوم
فلست محدثا سري خليلي     ولا نفسي إذا حضرت هموم
وأطوي السر دون الناس: إني     لما استودعت من سر كتوم



وأنشدني علي بن حيدة الكاتب، قال: أنشدنا عبد الرحمن بن بندار لشيطان الطاق:


أمت السر بكتمان ولا     يسمعن منك إذا استودعت سر
فإذا ضقت به ذرعا، فلا     تضعن سرك إلا عند حر



التالي السابق


الخدمات العلمية