صفحة جزء
واجتمع أحبارهم في بيت المدراس، فأتوا برجل وامرأة زنيا بعد إحصانهما، فقالوا: حكموا فيهما محمدا، فإن حكم فيهما بحكمكم من التجبية - وهو الجلد بحبل من ليف مطلي بقار، ثم تسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين وجوههما من قبل أدبار الحمارين - فإنما هو ملك، وإن حكم فيهما بالرجم فهو نبي، فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه. ففعلوا، فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى بيت المدراس، فقال لهم: "أخرجوا إلي علماءكم". فأخرجوا له عبد الله بن صوريا، فخلا به يناشده: "هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة" ؟ قال: اللهم نعم، أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعرفون أنك نبي مرسل، ولكنهم يحسدونك. قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بهما فرجما عند باب مسجده، ثم جحد ابن صوريا بعد ذلك نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ) الآية. وفي بعض طرق هذا الحديث أن حبرا منهم جلس يتلو التوراة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع يده على آية [ ص: 346 ] الرجم، فضرب عبد الله بن سلام يده، وقال: هذه آية الرجم أبى أن يتلوها عليك... الحديث.

وقال كعب بن أسد ، وابن صلوبا ، وابن صوريا ، وشاس بن قيس بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فإنما هو بشر، فأتوه فقالوا: قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم، وأنا إن اتبعناك اتبعك يهود، ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين بعض قومنا خصومة فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ) إلى قوله: ( ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون )

. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة منهم، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال: ( آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى، ولا نؤمن بمن آمن به، فأنزل الله: ( قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون )

. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن حارثة ، وسلام بن مشكم ، ومالك بن الصيف ، ورافع بن حريملة، فقالوا: يا محمد: ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟ قال: "بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس، فبرئت من إحداثكم". قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا، فإنا على الهدى والحق، ولا نؤمن بك ولا نتبعك، فأنزل الله تعالى: ( قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ) الآية.

[ ص: 347 ] وكان رفاعة بن زيد بن التابوت ، وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ونافقا، فكان رجال من المسلمين يوادونهما، فأنزل الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ) إلى قوله: ( والله أعلم بما كانوا يكتمون ) .

وقال جبل بن أبي قشير ، وشمويل بن زيد: يا محمد متى الساعة إن كنت نبيا؟ فأنزل الله: ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي ) الآية.

وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام بن مشكم ، ونعمان بن أوفى ، ومحمود بن دحية، في نفر منهم، فقالوا له: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن الله؟ فأنزل الله: ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم ) الآية.

وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمود بن سيحان ، وعزير بن أبي عزير في جماعة منهم، فقالوا: إنا لا نرى ما جئت به متسقا كما تتسق التوراة، أما يعلمك هذا إنس ولا جن؟ فقال لهم: "أما والله إنكم لتعلمون أنه من عند الله، وأني رسول الله تجدون ذلك مكتوبا عندكم في التوراة". قالوا: فإن الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما يشاء، فأنزل علينا كتابا من السماء نقرؤه ونعرفه، وإلا جئناك بمثل ما تأتي به، فأنزل الله تعالى: ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا )

.وقال قوم منهم لعبد الله بن سلام حين أسلم: ما تكون النبوة في العرب، ولكن صاحبك ملك متقول، ثم جاؤوا فسألوه عن ذي القرنين، فقص عليهم ما جاءه من الله فيه مما كان قص على قريش، وهم كانوا ممن أمر قريشا أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه حين بعثوا إليهم النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط، وأتى رهط منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد! هذا الله خلق الخلق فمن خلقه؟ فغضب حتى انتقع لونه، ثم ساورهم [ ص: 348 ] غضبا لربه، فجاءه جبريل فسكنه وأنزل عليه: ( قل هو الله أحد ) السورة، فلما تلاها عليهم، قالوا: فصف لنا كيف خلقه؟ وكيف ذراعه؟ وكيف عضده؟ فغضب أشد من غضبه الأول، فأتاه جبريل من الله تعالى بقوله تعالى: ( وما قدروا الله حق قدره ) الآية.

وكان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة: حيي بن أخطب ، وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع ، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق ، وأبو عمار ، ووحوح بن عامر ، وهوذة بن قيس، فأما وحوح ، وأبو عمار ، وهوذة فمن بني وائلة، وسائرهم من بني النضير، فلما قدموا على قريش، قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتاب الأول، فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم، فقالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه، فأنزل الله فيهم: ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ) إلى قوله: ( ملكا عظيما ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية