صفحة جزء
180 - فصل

[ الدليل على أن المراد بالفطرة ( الدين ) ] .

ويدل على صحة ما فسر به الأئمة الفطرة أنها " الدين " ما رواه مسلم في " صحيحه " من حديث عياض بن حمار المجاشعي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى : " إني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما [ ص: 954 ] أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا " وهذا صريح في أنهم خلقوا على الحنيفية ، وأن الشياطين اقتطعتهم بعد ذلك عنها ، وأخرجوهم منها ، قال تعالى : ( والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) ، وهذا يتناول إخراج الشياطين لهم من نور الفطرة إلى ظلمة الكفر والشرك ، ومن النور الذي جاءت به الرسل من الهدى ، والعلم إلى ظلمات الجهل والضلال .

وفي " المسند " ، وغيره من حديث الأسود بن سريع قال : بعث [ ص: 955 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية ، فأفضى بهم القتل إلى الذرية ، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ما حملكم على قتل الذرية " ؟

[ قالوا ] : يا رسول الله ، أليسوا أولاد المشركين ؟ قال : " أوليس خياركم أولاد المشركين ؟ " ثم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - خطيبا ، فقال : " ألا إن كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه "
فخطبته لهم بهذا الحديث عقيب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين ، وقوله لهم : " أوليس خياركم أولاد المشركين ؟ " نص أنه أراد أنهم ولدوا غير كفار ، ثم الكفر طرأ بعد ذلك ، ولو أراد : أن المولود حين يولد يكون إما كافرا وإما مسلما على ما سبق به القدر ، لم يكن فيما ذكره حجة على ما قصده من نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين .

وقد ظن بعضهم أن معنى قوله : " أو ليس خياركم أولاد المشركين " معناه : لعله أن يكون قد سبق في علم الله أنهم لو بقوا لآمنوا ، فيكون النهي راجعا إلى هذا المعنى من التجويز ، وليس هذا معنى الحديث ، ولكن معناه : أن خياركم هم السابقون الأولون من المهاجرين ، والأنصار ، وهؤلاء من [ ص: 956 ] أولاد المشركين ، فإن آباؤهم كانوا كفارا ، ثم إن البنين أسلموا بعد ذلك ، فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين إذا كان مؤمنا ، فإن الله إنما يجزيه بعمله لا بعمل أبويه ، وهو سبحانه يخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي ، والمؤمن من الكافر ، والكافر من المؤمن .

وهذا الحديث - وهو حديث الفطرة - ألفاظه يفسر بعضها بعضا ، ففي الصحيحين - واللفظ للبخاري - عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ثم يقول أبو هريرة اقرءوا : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) ، قالوا : يا رسول الله ، أفرأيت من يموت صغيرا ؟ قال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " .

وفي " الصحيح " ، قال الزهري : يصلى على كل مولود يتوفى ، وإن كان لغية ، من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام إذا استهل خارجا ، ولا يصلى على من لم يستهل من أجل أنه سقط ، وأن أبا هريرة كان يحدث أن النبي [ ص: 957 ] - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما من مولود إلا ويولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ " ثم يقول أبو هريرة : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) .

وفي " الصحيح " من رواية الأعمش : " ما من مولود إلا وهو على الملة " .

وفي رواية أبي معاوية عنه " إلا على هذه الملة ، حتى يبين عنه لسانه " : فهذا صريح في أنه يولد على ملة الإسلام كما فسره ابن شهاب راوي الحديث ، واستشهاد أبي هريرة بالآية يدل على ذلك .

قال ابن عبد البر : وسئل ابن شهاب عن رجل عليه رقبة مؤمنة : أيجزئ عنه الصبي أن يعتقه ، وهو رضيع ؟ قال : نعم ؛ لأنه ولد على الفطرة .

قال ابن عبد البر ، وقد ذكر أقوال الناس في هذا الحديث .

وقال آخرون : الفطرة هاهنا هي الإسلام . قالوا : وهو المعروف عند عامة السلف ، وأهل التأويل قد أجمعوا في تأويل قوله عز وجل : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) ، على أن قالوا : فطرة الله دين الإسلام .

واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث : " اقرءوا إن شئتم : [ ص: 958 ] ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) .

قال : وذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قوله عز وجل : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) ، قالوا : فطرة الله دين الإسلام : ( لا تبديل لخلق الله ) ، قالوا : لدين الله .

واحتجوا بحديث محمد بن إسحاق ، عن ثور بن يزيد عن يحيى بن جابر ، عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي ، عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للناس يوما : " ألا أحدثكم بما حدثني الله في الكتاب ؟ إن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين ، وأعطاهم المال حلالا لا حرام فيه ، فجعلوا ما أعطاهم الله حراما وحلالا " الحديث .

قال : وكذلك روى بكر بن مهاجر ، عن ثور بن يزيد بإسناده مثله في هذا الحديث : " حنفاء مسلمين " .

قال أبو عمر : روي هذا الحديث عن قتادة ، عن مطرف بن عبد الله ، عن عياض بن حمار ، ولم يسمعه قتادة من مطرف ، ولكن قال : حدثني ثلاثة : عقبة بن عبد الغافر ، ويزيد بن عبد الله بن الشخير ، والعلاء بن زياد ، كلهم يقول : حدثني مطرف ، عن عياض ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 959 ] فقال فيه : " وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم " لم يقل " مسلمين " .

وكذلك رواه الحسن ، عن مطرف ، عن عياض .

ورواه ابن إسحاق عمن لا يتهم ، عن قتادة بإسناده قال فيه : " وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم " ، ولم يقل " مسلمين " .

قال : فدل هذا على حفظ محمد بن إسحاق ، وإتقانه ، وضبطه ؛ لأنه ذكر " مسلمين " في روايته عن ثور بن يزيد لهذا الحديث ، وأسقطه من رواية قتادة ، وكذلك رواه الناس عن قتادة : قصر فيه عن قوله " مسلمين " وزاده ثور بإسناده ، فالله أعلم .

قال أبو عمر : والحنيف في كلام العرب المستقيم المخلص ، ولا استقامة أكبر من الإسلام ، قال : وقد روي عن الحسن قال : " الحنيفية حج البيت " وهذا يدل على أنه أراد الإسلام ، وكذلك روي عن الضحاك ، [ ص: 960 ] والسدي " حنفاء : حجاجا " ، وعن مجاهد : " حنفاء متبعين " ، قال : وهذا كله يدل على أن الحنيفية : الإسلام .

قال : وقال أكثر العلماء : الحنيف المخلص . وقال الله عز وجل : ( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما ) [ ص: 961 ] وقال تعالى : ( ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ) ، قال الراعي :


أخليفة الرحمن إنا معشر حنفاء نسجد بكرة وأصيلا     عرب نرى الله في أموالنا
حق الزكاة منزلا تنزيلا

قال : فوصف الحنيفية بالإسلام ، وهو أمر واضح لا خفاء به ، قال : ومما احتج به من ذهب إلى أن الفطرة في هذا الحديث : " الإسلام " قوله - صلى الله عليه وسلم - : " خمس من الفطرة " ، ويروى : " عشر من الفطرة " يعني : فطرة الإسلام . انتهى .

قال شيخنا : فالأدلة الدالة على أنه أراد فطرة الإسلام كثيرة : كألفاظ الحديث الصحيح المتقدمة ، كقوله : " على الملة " : و " على هذه الملة " ، [ ص: 962 ] وقوله : " خلقت عبادي حنفاء " وفي الرواية الأخرى : " حنفاء مسلمين " ، ومثل تفسير أبي هريرة ، وهو أعلم بما سمع .

ولو لم يكن المراد بالفطرة الإسلام لما سألوا عقيب ذلك : " أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير ؟ " لأنه لو لم يكن هناك ما يغير تلك الفطرة لما سألوه ، والعلم القديم والكتاب السابق لا يتغير .

وقوله : " فأبواه يهودانه ، وينصرانه ويمجسانه " بين فيه أنهم يغيرون الفطرة المخلوق عليها بذلك .

وأيضا ، فإنه شبه ذلك بالبهيمة التي تولد مجتمعة الخلق لا نقص فيها ، ثم تجدع بعد ذلك ، فعلم أن التغير وارد على الفطرة السليمة التي ولد العبد عليها .

وأيضا ، فالحديث مطابق لقوله تعالى : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) ، وهذا يعم جميع الناس ، فعلم أن الله فطر الناس كلهم على فطرته المذكورة ، وفطرة الله أضافها إليه إضافة مدح لا إضافة ذم ، فعلم أنها فطرة محمودة لا مذمومة يبين ذلك أنه قال : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ) ، وهذا نصب على المصدر [ ص: 963 ] الذي دل عليه الفعل الأول عند سيبويه وأصحابه ، فدل على أن إقامة الوجه للدين حنيفا هو فطرة الله التي فطر الناس عليها كما في نظائره مثل قوله : ( كتاب الله عليكم ) ، وقوله : ( سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ، فهذا عندهم مصدر منصوب بفعل مضمر لازم إضماره دل عليه الفعل المتقدم ، كأنه قال : كتب الله ذلك عليكم ، وكذلك هنا فطر الله الناس على ذلك : على إقامة الدين حنيفا .

وكذلك فسره السلف ، قال ابن جرير في هذه الآية : يقول : فسدد وجهك نحو الوجه الذي وجهك الله يا محمد لطاعته ، وهو الدين حنيفا ، يقول : " مستقيما لدينه وطاعته " ، ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) ، يقول : " صنعة الله التي خلق الناس عليها " ونصب فطرة على المصدر من معنى قوله : ( فأقم وجهك للدين حنيفا ) ، وذلك أن معنى الآية : فطر الله الناس على ذلك فطرة .

قال : وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ، ثم روى عن ابن زيد قال : " فطرة الله التي فطر الناس عليها قال : هي الإسلام منذ خلقهم الله من [ ص: 964 ] آدم جميعا ، يقرون بذلك ، وقرأ : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) ، فهذا قول الله : ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين )

[ بعد ] .

ثم ذكر بإسناد صحيح عن مجاهد قال : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) ، قال : الدين الإسلام .

[ ص: 965 ] حدثنا ابن حميد ، ثنا يحيى بن واضح ، ثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن يزيد بن أبي مريم قال : مر عمر بمعاذ بن جبل ، فقال : ما قوام هذه الأمة ؟ قال معاذ : ثلاث وهن المنجيات : الإخلاص ، وهو الفطرة ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) ، والصلاة ، وهي الملة ، والطاعة ، وهي العصمة . فقال عمر : صدقت .

ثم قال : حدثني يعقوب الدورقي ، ثنا ابن علية ، ثنا أيوب ، عن أبي قلابة أن عمر قال لمعاذ : ما قوام هذه الأمة ؟ فذكر نحوه .

[ ص: 966 ] قال وقوله : ( لا تبديل لخلق الله ) ، يقول : لا تغيير لدين الله ، أي : لا يصلح ذلك ، ولا ينبغي أن يفعل .

وروى عبد الله بن إدريس ، عن ليث قال : أرسل مجاهد رجلا يقال له : قاسم إلى عكرمة يسأله عن قوله : ( لا تبديل لخلق الله ) ، فقال : لدين الله .

ثم ذكر عن عكرمة : ( فطرة الله ) ، قال : الإسلام .

وكذلك روي عن قتادة ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والضحاك ، وإبراهيم [ ص: 967 ] النخعي ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .

وروي عن ابن عباس أنه سئل عن خصاء البهائم ؟ فكرهه ، وقال : ( لا تبديل لخلق الله ) .

وكذلك قال عكرمة ، ومجاهد في رواية ليث عنه .

[ ص: 968 ] قال شيخنا : ولا منافاة بين القولين عنهما ، كما قال تعالى عن الشيطان : ( ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ) ، فتغيير ما خلق الله عباده عليه من الدين تغيير لدينه ، والخصاء وقطع الأذن تغيير لخلقه ، ولهذا شبه النبي - صلى الله عليه وسلم - أحدهما بالآخر في قوله : " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ، وينصرانه ، ويمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء ؟ " فأولئك يغيرون الدين ، وهؤلاء يغيرون الصورة بالجدع ، والخصاء ، هذا يغير ما خلق الله عليه قلبه ، وهذا يغير ما خلق عليه بدنه .

التالي السابق


الخدمات العلمية