صفحة جزء
283 - وروى أيضا بإسناده عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أهل الجنة يرون ربهم تعالى في كل يوم جمعة في رمال الكافور ، وأقربهم منه مجلسا أسرعهم إليه يوم الجمعة ، وأبكرهم غدوا " .

اعلم أن هذه أخبار صحاح يجب الأخذ بها ، نص عليه أحمد في رواية أبي الحارث ، فقال : أحاديث الرؤية صحاح جياد . وكذلك قال في رواية المروذي لما سئل عن أحاديث الرؤية : صحاح جياد .

وكذلك قال في رواية ابن منصور ، وقد قيل له : تقول بهذه الأحاديث التي تروى [ ص: 285 ] عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤية وتذهب إليها ، وجمعها في كتاب وحدثنا بها .

وقال في رواية المروذي وحنبل وأبي داود : من قال إن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر فقد .

نص على صحتها والأخذ بها وتكفير من ردها ، وقد رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري .

فأما قوله : " كما ترون القمر " فلم يقصد به إلا تحقيق رؤية العيان ، لا تشبيه المرئي بالقمر في أنه محدود في جهة ، وإنما معناه رؤيتكم لله يوم القيامة كرؤيتكم القمر ليلة البدر ، أي كما لا تشكون ليلة البدر في رؤية القمر أنه البدر ، ولا يتخالجكم فيه ريب وظن ، كذلك ترون الله عز وجل يوم القيامة معاينة يحصل معها اليقين .

وأما قوله : " لا تضامون في رؤيته " بالتشديد فقيل معناه : لا ينضم بعضكم إلى بعض كما تنضمون في رؤية الهلال رأس الشهر ، بل ترونه جهرة من غير تكلف لطلب رؤيته كما ترون البدر - وهو القمر ليلة الرابع عشر إذا عاينه المعاين جهرة لم يحتج إلى تكلف في طلب رؤيته .

وأما قوله تعالى : " لا تضامون " مخفف فالمراد به الضيم أي : لا يلحقكم فيه ضيم ، والضيم والضرر واحد في المعنى وأما قوله : " لا تضارون " أي : لا يلحقكم ضرر في رؤيته بتكلف طلبها كما يلحق المشقة والتعب في طلب ما يخفى ويدق ويغمض [ ص: 286 ] وكل ذلك تحقيق لرؤية المعاينة ، وأنها صفة تزيد على العلم فإن قيل : معناه رؤية العلم ، وأن المؤمنين يعرفون الله يوم القيامة ضرورة قيل : هذا غلط من قبل أن الرؤية إذا كانت بمعنى : العلم ، تعدت إلى مفعولين ، وذلك كما يقول القائل : رأيت زيدا فقيها ، أي علمته كذلك ، فأما إذا قال : رأيت زيدا مطلقا ، فلا يفهم منه إلا رؤية البصر ، وقد حقق ذلك بما أكده من تشبيهه برؤية القمر ليلة البدر ، وذلك رؤية البصر لا رؤية علم .

وجواب آخر : وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر المؤمنين من أصحابه بذلك ، وهذا يوجب أن يكون معنى يختصون به ، فأما العلم بالله فمشترك بين المؤمنين والكافرين في القيامة ، فيبطل معنى بشارته للمؤمنين بالرؤية .

وجواب آخر : وهو أن في رواية أبي موسى : " ترون الله جهرة " وهذا يرفع الإشكال ، لأن الرؤية وإن كانت تستعمل في معنى العلم ، فإنها إذا قرنت بلفظ الجهر لم تحتمل العلم ، ومن ذلك قولهم : ( أرنا الله جهرة ) يعني عيانا ، وكذلك في حديث ابن عمر : " وإن أفضلهم من ينظر في وجه ربه في كل يوم مرتين " وهذا يمنع أن يكون المراد به العلم [ ص: 287 ] فأما ما روي في حديث ابن عباس : " إن أهل الجنة يرون ربهم تعالى في كل يوم جمعة في رمال الكافور ، فأقربهم منه مجلسا أسرعهم إليه يوم الجمعة ، وأبكرهم غدوا " فإن أبا عبد الله بن بطة رواه ، عن أبي عمر عبيد الله بن مسح العطار ، وأبي يوسف يعقوب بن يوسف ، ومحمد بن الحسين قالوا : نا أبو بكر عبد الله بن سليمان أبي داود السجستاني ، قال : نا عمي محمد بن الأشعث قال : نا ابن حسن ، قال : حدثني أبي حسن ، عن الحسن ، عن عبد الله بن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية