صفحة جزء
44 - وقد ذكر أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي هذا [ ص: 64 ] السؤال في كتاب "الغنية عن الكلام" فقال: اعلم أن المتشابه من القرآن قد استأثر الله بعلمه فلا يعلم تأويله أحد غيره.

قال: ومذهب أكثر العلماء أن الوقف التام في هذه الآية إنما هو عند قوله: ( وما يعلم تأويله إلا الله ) وما بعده استئناف كلام آخر، وحكى في ذلك قول ابن مسعود وأبي وابن عباس وعائشة، وقال: وإنما روي عن مجاهد وحده أنه نسق الراسخين على ما قبله، وزعم أنهم يعلمونه.

وأجاب بجواب آخر، فقال: لا يجوز أن ينفي الله، عز وجل، شيئا عن الخلق ويثبته لنفسه فيكون له في ذلك شريك، ألا ترى إلى قوله: ( قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ) ، وقوله: ( لا يجليها لوقتها إلا هو ) ، وقوله: ( كل شيء هالك إلا وجهه ) فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه به لا يشركه فيه غيره كذلك ههنا.

قال: فإن قيل: كيف يصح الإيمان بما لا نحيط علما بحقيقته، ونصفه بشيء لا درك له في عقولنا؟ قيل: قد أمرنا أن نؤمن بملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالجنة ونعيمها وبالنار وأليم عذابها، ومعلوم أنا لا نحيط علما بكل شيء منها على التفصيل، وإنما كلفنا الإيمان بها جملة.

ألا ترى أنا لا نعرف أسماء عدة من الأنبياء وكثير من الملائكة ولا نحيط بصفاتهم، ثم لم يقدح ذلك فيما أمرنا أن نؤمن به.

وقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم، في صفة الجنة: "يقول الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". إلى هاهنا كلام أبي سليمان. [ ص: 65 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية