صفحة جزء
سجع على قوله تعالى : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد

يا مطلقا نفسه فيما يشتهي ويريد ، اذكر عند خطواتك المبدئ المعيد ، وخف قبح ما جرى فالملك يرى ، والملك شهيد ونحن أقرب إليه من حبل الوريد .

هلا استحيت ممن يراك إذا ركبت من هواك ما نهاك ، ستبكي والله عيناك مما جنت يداك ، أما تعلم أنه بالمرصاد فقل لي أين تحيد ونحن أقرب إليه من حبل الوريد .

[ ص: 616 ] لو صدق علمك به لراقبته ، ولو خفت وعيده في الحرام ما قاربته ، ولو علمت سموم الجزاء في كأس الهوى ما شربته ، لقد أضعنا الحديث عند سكران يميد ، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد

قال بعض السلف : مررت برجل منفرد فقلت له : أنت وحدك ؟ فقال : معي ربي وملكاي ، فقلت : أين الطريق ؟ فأشار نحو السماء ثم مضى وهو يقول : أكثر خلقك شاغل عنك .

راود رجل امرأة فقالت : ألا تستحي ؟ فقال : ما يرانا إلا الكواكب . فقالت : وأين مكوكبها ؟ !


كأن رقيبا منك يرعى خواطري وآخر يرعى ناظري ولساني     فما نظرت عيناي بعدك نظرة
لغيرك إلا قلت قد رمقاني     ولا بدرت من في بعدك لفظة
لغيرك إلا قلت قد سمعاني     ولا خطرت في غير ذكرك خطرة
على القلب إلا عرجت بعناني



قوله تعالى : إذ يتلقى المتلقيان ، وهما الملكان يلتقيان القول ويكتبانه ، عن اليمين كاتب الحسنات ، وعن الشمال كاتب السيئات قعيد أي قاعد . والمعنى : عن اليمين قعيد ، وعن الشمال قعيد .

وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كاتب الحسنات على يمين الرجل ، وكاتب السيئات على شماله ، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات ، فإذا عمل حسنة كتبها له صاحب اليمين عشرا ، وإذا عمل سيئة قال لصاحب الشمال : أمسك ، فيمسك عنه سبع ساعات ، فإن استغفر منها لم يكتب عليه شيء ، وإن لم يستغفر كتبت عليه سيئة واحدة " .

وفي حديث علي رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " مقعد مليكك على ثنيتك ، فلسانك قلمها وريقك مدادها " .

[ ص: 617 ] سجع على قوله تعالى : عن اليمين وعن الشمال قعيد

ما ظنك بمن يحصي جميع كلماتك ، ويضبط كل حركاتك ، ويشهد عليك بحسناتك ، ترفع الصحائف وهي سود ، وعمل المنافق مردود ، يحضره الملكان لدى المعبود ، يا شر العبيد عن اليمين وعن الشمال قعيد .

يضبطان على العبد ما يجري من حركاته ، وما يكون من نظراته وكلماته ، واختلاف أموره وحالاته ، لا ينقص ولا يزيد عن اليمين وعن الشمال قعيد .

قال سفيان الثوري يوما لأصحابه : أخبروني لو كان معكم من يرفع الحديث إلى السلطان ، أكنتم تتكلمون بشيء ؟ قالوا : لا . قال : فإن معكم من يرفع الحديث إلى الله عز وجل .

قوله تعالى : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ، أي : ما يتكلم من كلام فيلفظه أي يرميه من فيه إلا لديه رقيب عتيد ، أي حافظ وهو الملك الموكل به ، والعتيد الحاضر معه أينما كان .

السجع على قوله تعالى : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد

يا كثير الكلام حسابك شديد ، يا عظيم الإجرام عذابك جديد ، يا مؤثرا ما يضره ما رأيك سديد ، يا ناطقا بما لا يجدي ولا يفيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد .

كلامك مكتوب وقولك محسوب ، وأنت يا هذا مطلوب ، ولك ذنوب وما تتوب ، وشمس الحياة قد أخذت في الغروب ، فما أقسى قلبك من بين القلوب ، وقد أتاه ما يصدع الحديد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد .

أتظن أنك متروك مهمل ، أم تحسب أنه ينسى ما تعمل ، أو تعتقد أن الكاتب يغفل ، هذا صائح النصائح قد أقبل ، يا قاتلا نفسه بكفه لا تفعل ، يا من أجله ينقص وأمله يزيد ، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد .

[ ص: 618 ]

أنا من خوف الوعيد     في قيام وقعود
كيف لا أزداد خوفا     وعلى النار ورودي
كيف جحدي ما تجرمت     وأعضائي شهودي
كيف إنكاري ذنوبي     أم ترى كيف جحودي
وعلى القول يحصى     برقيب وعتيد



قوله تعالى : وجاءت سكرة الموت بالحق ، وهي غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله . وفي قوله : بالحق قولان ذكرهما الفراء : أحدهما : بحقيقة الموت . والثاني : بالحق من أمر الآخرة .

قوله تعالى : ذلك أي ذلك الموت : ما كنت منه تحيد أي تهرب وتفر .

قوله تعالى : ونفخ في الصور وهي نفخة البعث ذلك يوم الوعيد أي يوم وقوع الوعيد .

قوله تعالى : وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد . وفيه قولان : أحدهما : أنه ملك يسوقها إلى محشرها . قاله أبو هريرة . والثاني : أنه قرينها من الشياطين سمي سائقا لأنه يتبعها وإن لم يحثها .

وفي الشهيد ثلاثة أقوال : أحدها : أنه ملك يشهد عليها بعملها . قاله عثمان بن عفان ، والحسن . وقال مجاهد : الملكان سائق وشهيد . وقال ابن السائب : السائق الذي يكتب عليه السيئات . والشهيد : هو الذي كان يكتب له الحسنات .

والثاني : أنه العمل يشهد على الإنسان . قاله أبو هريرة .

والثالث : الأيدي والأرجل تشهد عليه بعمله . قاله الضحاك .

إخواني احذروا من العرض على مالك الطول والعرض ، وأعدوا الجواب إذا سئلتم عن الفرض ، أين الحياء من قبح المضمرات ، أين البكاء على سالف الخطرات ، أين الخوف من الجزاء على خطوات الخطيئات .

كتب يوسف بن أسباط إلى حذيفة المرعشي : أما بعد : فإني أوصيك بتقوى الله سبحانه والعمل بما علمك الله تعالى ، والمراقبة حيث لا يراك إلا الله عز وجل ، [ ص: 619 ] والاستعداد لما ليس لأحد فيه حيلة ، ولا ينتفع بالندم عند نزوله ، فاحسر عن رأسك قناع الغافلين ، وانتبه من رقدة الموتى وشمر للسباق غدا ، فإن الدنيا ميدان المسابقين ، ولا تغتر بمن أظهر النسك وتشاغل بالوصف وترك العمل بالموصوف ، واعلم يا أخي أنه لا بد لي ولك من المقام بين يدي الله تعالى ، يسألنا عن الدقيق الخفي ، وعن الجليل الخافي ، ولست آمن أن يسألني وإياك عن وسواس الصدور ، ولحظات العيون ، والإصغاء للاستماع ، واعلم أنه لا يجزي من العمل القول ، ولا من البذل العدة ، ولا من التوقي التلاوم .

يا من معاصيه كثيرة مشهورة ، يا من نفسه بمن يجني عليها مسرورة ، أفي العين كمه أم عشى أم الأمر إليك يجري كما تشا ، أعلى القلب حجاب أم غشا ، أيا من إذا قعد عصى وكذا إذا مشى ، كل فعلك غلط ، كل عملك سقط ، أترى هذا العقل اختلط ، أما قوم بهذا الشمط ، أما علم الشيب على حروف الموت ونقط ، لقد عزم الأجل على النهوض ، وطال ما أقام والدنيا قروض ، قصر يبنى وجسم منقوض ، شيب وعيب يزحلق الفروض :


إلى متى أنت في ذنوب     قلبك من أجلها مريض
أقرضت عمرا فمر خلسا     وآن أن تطلب القروض
فاحذر مجيء الحمام بغتا     وأنت في باطل تخوض



التالي السابق


الخدمات العلمية