صفحة جزء
الكلام على البسملة


غفلت وليس الموت في غفلة عني وما أحد يجني علي كما أجني     أشيد بنياني وأعلم أنني
أزول ، لمن شيدته ولمن أبني     كفاني بالموت المنغص واعظا
بما أبصرت عيني وما سمعت أذني     وكم للمنايا من فنون كثيرة
تميت وقد وطنت نفسي على فن     ولو طرقت ما استأذنت من يحبني
كما أفقدتني من أحب بلا إذن     وقد كنت أفدي ناظريه من القذى
فغطيت ما قد كنت أفديه بالعين     ستسجنني يا رب في القبر برهة
فلا تجعل النيران من بعده سجني     ولي عند ربي سيئات كثيرة
ولكنني عبد به حسن الظن



من للعاصي إذا دعي فحضر ، ونشر كتابه ونظر ، لم يسمع عذره وقد اعتذر ، وناقشه المولى فما غفر ، آه لراحل لم يتزود للسفر ، ولخاسر إذا ربح المتقون افتقر ولمحروم جنة الفردوس حل في سقر ، ولفاجر فضحه فجوره فاشتهر ، ولمتكبر بالذل بين الكل قد ظهر ، وإلى محمول إلى جهنم فلا ملجأ له ولا وزر ، آه من يوم تكور فيه الشمس والقمر ، يا كثير الرياء قل إلى متى تخلص ، يا ناسي الأنكال إن كال فمتلصص ، ما يتخلص من معامل ولا هو عند الله مخلص ، الدهر حريص على قتلك يا من يحرص ، تفكر فيمن [ ص: 626 ] أصبح مسرورا فأمسى وهو متنغص ، ومتى أردت لذة فاذكر قبلها المنغص ، وتعلم أن الهوى ظل والظل متقلص ، وخذ على نفسك لا تسامحها ولا ترخص ، حائط الباطل خراب فإلى كم تجصص ، أين الهم المجتمع تفرق فما ينتفع ، يدعوك الهوى فتتبع ، وتحدثك المنى فتستمع ، كم زجرك ناصح فلم تطع ، سار الصالحون يا منقطع ، ما الذي عاقك لهو مختدع ، شروا ما يبقى بما يفنى وأنت لم تشر ولم تبع ، أين تعبهم ؟ نسخ بالروح ولم يضع ، تلمح العواقب فلتلمحها العقل وضع ، كأنه ما جاع قط من شبع .

جز على الشونيزية أو على قبر أحمد ، وميز من أطاع ممن أضاع فمن أحمد ؟ قبور الصالحين تؤنس الزائر ، وقبور الظلمة عليها ظلام متوافر ، جذ على قبور العباد وناد في ذلك الناد : أيتها الأودية والوهاد ، ما فعلت تلك الأوراد :


تعاهدتك العهاد يا طلل     خبر عن الظاعنين ما فعلوا
فقال لم أدر غير أنهم     صاح غراب البين فاحتملوا
لا طاب ليلي ولا النهار لمن     يسكنني أو يردهم قفل
ولا تحليت بالرياض وبالنور     ومغناي منهم عطل
خل هذا فما عليك لهم     قلت أنين وأدمع هطل
وأنني مقفل الضمائر عن     حب سواهم ما حنت الإبل
فقال هلا اتبعتهم أبدا     إن نزلوا منزلا وإن رحلوا



سبحان من قسم الأقسام ، فلقوم يقظة ، ولقوم منام .

قال وهب بن منبه : كان في بني إسرائيل رجلان بلغت بهما عبادتهما أن مشيا على الماء ، فبينما هما يمشيان في البحر إذا هما برجل يمشي في الهواء ، فقالا له : يا عبد الله بأي شيء أدركت هذه المنزلة ؟ فقال : بيسير من الدنيا : فطمت نفسي عن الشهوات ، وكففت لساني عما لا يعنيني ، ورغبت فيما دعاني ، ولزمت الصمت . فإن أقسمت على الله أبر قسمي ، وإن سألته أعطاني .

يا بعيدا عن الصالحين ، يا مطرودا عن المفلحين ، لقد نصب الشيطان الأشراك ، وجعل حب الفخ هواك ، وكم رأيت مأسورا وسط ذاك ، وليس المراد الآن إلاك ، احذر فخه فهو بعيد الفكاك ، كم يوم غابت شمسه وقلبك غائب ، وكم ظلام أسبل ستره وأنت في عجائب ، كم ليلة بالخطايا قطعتها ، وكم من أعمال قبيحة رفعتها ، وكم من ذنوب جمعتها والصحف أودعتها ، كم نظرة ما تحل ما خفت ولا منعتها ، كم من موعظة تعيها وكأنك ما [ ص: 627 ] سمعتها ، وكم من ذنوب تعيب غيرك بها أنت صنعتها ، وكم أمرتك النفس بما يؤذي فأطعتها ، يا موافقا لنفسه آذيتها ، خالفها وقد نفعتها :


طوى نفسه عنك الشباب المزايل     وأسلمت للشيب الذي لا يزايل
نسير إلى الآجال في كل ساعة     وأيامنا تطوى وهن مراحل
ولم أر مثل الموت حقا كأنه     إذا ما تخطته الأماني باطل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا     فكيف به والشيب في الرأس شامل
ترحل عن الدنيا بزاد من التقى     فعمرك أيام وهن قلائل



التالي السابق


الخدمات العلمية