صفحة جزء
قوله تعالى : رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله أي لا تشغلهم ، قال ابن السائب : التجار الجلابون والباعة المقيمون .

وفي المراد بذكر الله ثلاثة أقوال : أحدها : الصلاة المكتوبة ، قاله ابن عباس ، وروى سالم عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر : فيهم . نزلت : رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله والثاني : أنه القيام بحق الله تعالى ، قاله قتادة ، والثالث : ذكر الله تعالى باللسان ، قاله أبو سليمان الدمشقي .

[ ص: 112 ] قوله تعالى : وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة أي أداؤها لوقتها وإتمامها .

قال سعيد بن المسيب رضي الله عنه : ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد ، وقال سفيان بن عيينة : لا تكن مثل عبد السوء ، لا يأتي حتى يدعى ، ايت الصلاة قبل النداء .

أخبرنا المبارك بن أحمد الأنصاري ، أخبرنا الحسين بن عبد الجبار ، أخبرنا محمد بن علي بن الفتح ، أنبأنا علي بن الحسين ابن سكينة ، أنبأنا محمد بن القاسم ، حدثنا أبو بكر ابن عبيد ، أنبأنا أبو الحسين بن أبي قيس ، أنبأنا سويد بن سعيد ، أنبأنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن شهر بن حوشب ، عن أسماء بنت يزيد قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق : سيعلم الخلائق اليوم من أولى بالكرم ، ثم يرجع فينادي : ليقم الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله فيقومون ، وهم قليل ، ثم ينادي : ليقم الذين كانوا يحمدون الله عز وجل في السراء والضراء فيقومون ، وهم قليل ، ثم يرجع فينادي : أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون ، وهم قليل ، ثم يحاسب الناس .

قال بعض الزهاد : رأيت رجلا قد أقبل من بعض جبال الشام فسلمت عليه فرد ووقف ينظر كالحيران ، فقلت له : من أين أقبلت ؟ فقال : من عند قوم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، فقلت : وأين تريد ؟ قال : إلى قوم تتجافى جنوبهم عن المضاجع ، ثم قال : واأسفا ! قلت : على ماذا ؟ قال : على ما هم فيه إذ كانوا بأعمالهم على طريق نجاتهم .


الناسكون يحاذرو ن وما بسيئة ألموا     كانوا إذا رامو كلا
ما مطلقا خطموا وزموا     إن قيلت الفحشاء أو
ظهرت عموا عنها وصموا     فمضوا وجاء معاشر
بالمنكرات طموا وطموا     ففم لطعم فاغر
ويد على مال تضم     عدلوا عن الحسن الجميـ
ـل وللخنا عمدوا وأموا     وإذا هم أعيتهم
شنعاهم كذبوا ونموا     فالصدر يغلي بالهوا
جس مثل ما يغلي المحم

[ ص: 113 ] قوله تعالى : يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار تصعد القلوب إلى بالحناجر وتنقلب الأبصار إلى الزرق عن الكحل ، والعمى بعد النظر .

أخبرنا ابن الحصين ، قال أنبأنا ابن المذهب أنبأنا أحمد بن جعفر ، أخبرنا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبي ، حدثنا سليمان بن حيان ، أخبرنا ابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه .

أخبرنا عبد الأول ، حدثنا الداودي ، حدثنا ابن أعين ، حدثنا الفربري حدثنا البخاري ، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثني سليمان ، عن ثور بن زيد ، عن أبي الغيث ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعا ، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم .

الحديثان في الصحيحين ، وفي لفظ : سبعين باعا قال : مغيث بن سمي تركز الشمس فوق رؤوسهم على سبعة أذرع ، وتفتح أبواب جهنم فيهب عليهم من رياحها وسمومها ، ويخرج عليهم من نفاحها حتى تجري الأنهار من عرقهم ، والصائمون في ظل العرش .

يا من لا يردعه ما يسمعه يا من لا يقنعه ما يجمعه ، أما القبر عن قريب موضعه ، أما اللحد عن قريب مضجعه ، أما يرجع عنه من يشيعه ويأخذ ما جمعه أجمعه ، كم يخرق خرقا بالخطأ ثم لا يرقعه ، كم يحطه القبيح والنصح يرفعه ، كم يعلم غرور الهوى وهو يتبعه :


لا تعذلنه فإن العذل يولعه     قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه

أشرف راهب من الرهبان من صومعته فإذا رجل جالس فقال : يا هذا ما جلوسك ههنا ؟ فقال له : اسكت يا فارغ القلب ودع التشاغل بغيره ، فإنه منك قريب ، فصرخ الراهب وخر مغشيا عليه ، فلما أفاق قال : سيدي لك العتبى ، لا أعود فيما يقطعني عنك . فصمت عن الكلام حتى مات .

كم غر الغرور غرا ، أمد له أطناب الطمع على أوتاد الهوى ، وسامره في خيمة المنى يملي عليه أمالي الآمال ، وما أجال فيما جال سهو ذكر الآجال ، ثم وجه إلى جهة الجهل [ ص: 114 ] والغفلة ، فسلما إليه منشور التسويف ، فلما ضرب بوق الرحلة وقربت نوق النقلة سل ما سلما إليه ، فألقي كاللقى على باب الندم ! .


إلام أمني النفس ما لا تناله     وأذكر عيشا لم يعد مذ تصرما
وقد قالت الستون للهو والصبا     دعا لي أسيري واذهبا حيث شئتما

أخبرنا محمد بن عبد الملك ، أنبأنا أحمد بن الحسين الشاهد ، حدثني عبد العزيز بن علي ، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد الحافظ ، أخبرنا إبراهيم بن نصر ، حدثني إبراهيم بن بشار ، قال سمعت إبراهيم بن أدهم يقول لرجل رآه يضحك : لا تطمعن في بقائك وأنت تعلم أن مصيرك إلى الموت ، فلم يضحك من يموت ولا يدري أين مصيره : إلى الجنة أم إلى النار ، ولا يدري أي وقت يكون الموت : صباحا أو مساء ، بليل أو نهار ، ثم قال : أوه وسقط مغشيا عليه .

التالي السابق


الخدمات العلمية