صفحة جزء
فالحاصل أن الدور ثلاثة : دار الدنيا ، ودار البرزخ ، ودار القرار . وقد جعل الله لكل دار أحكاما تخصها ، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس ، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان ، والأرواح تبع لها ، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح ، والأبدان تبع لها ، فإذا جاء يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم - صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعا . فإذا تأملت هذا المعنى حق التأمل ، ظهر لك أن كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار مطابق للعقل ، وأنه حق لا مرية فيه ، وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم .

ويجب أن يعلم أن النار التي في القبر والنعيم ليس من جنس نار الدنيا ولا نعيمها ، وإن كان الله تعالى يحمي عليه التراب والحجارة [ ص: 581 ] التي فوقه وتحته حتى يكون أعظم حرا من جمر الدنيا ، ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بها . بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفن أحدهما إلى جنب صاحبه ، وهذا في حفرة من النار ، وهذا في روضة من رياض الجنة ، لا يصل من هذا إلى جاره شيء من حر ناره ، ولا من هذا إلى جاره شيء من نعيمه . وقدرة الله أوسع من ذلك وأعجب ، ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علما . وقد أرانا الله في هذه الدار من عجائب قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير . وإذا شاء الله أن يطلع على ذلك بعض عباده أطلعه وغيبه عن غيره ، ولو أطلع الله على ذلك العباد كلهم لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب ، ولما تدافن الناس ، كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم : لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع . ولما كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم سمعت [ ذلك ] وأدركته .

التالي السابق


الخدمات العلمية