صفحة جزء
571 - ( 4927 ) - حدثنا أبو الربيع ، حدثنا فليح بن سليمان المدني ، عن ابن شهاب الزهري ، عن عروة بن الزبير ، وسعيد بن المسيب ، وعلقمة بن وقاص الليثي ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال لها أهل الإفك ما قالوا ، [ ص: 323 ] فبرأها الله منه ، قال الزهري - وكلهم حدثني طائفة من حديثها ، وبعضهم أوعى له من بعض ، وأثبت له من بعض ، وأثبت له اقتصاصا ، وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني به ، عن عائشة ، وبعض حديثهم يصدق بعضا - : زعموا أن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه ، فأيتهن خرج سهمها ، خرج بها معه . قالت : فأقرع بيننا في غزوة غزاها ، فخرج سهمي ، فخرجت معه ، بعدما أنزل الحجاب ، فأنا أحمل في هودج ، وأنزل فيه ، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته تلك ، وقفل ، ودنونا من المدينة ، آذن ليلة بالرحيل ، فقمت حين آذنوا بالرحيل ، فمشيت حتى جاوزت الجيش ، فلما قضيت شأني ، أقبلت إلى الرحل ، فلمست صدري ، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع ، فرجعت ، فالتمست عقدي ، فحبسني ابتغاؤه ، [ ص: 324 ] فأقبل الذين يرحلون بي ، فاحتملوا هودجي ، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب ، وهم يحسبون أني فيه ، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ، ولم يغشهن اللحم ، وإنما يأكلن العلقة من الطعام ، فلم يستنكر القوم حين رفعوا ثقل الهودج ، واحتملوه وكنت جارية ، حديثة السن ، فبعثوا الجمل وساروا ، فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش ، فجئت منزلهم ، وليس [ ص: 325 ] فيه أحد ، فأممت منزلي الذي كنت فيه ، وظننت أنهم سيفقدونني ، فيرجعون إلي ، فبينا أنا جالسة في منزلي ، غلبتني عيناي ، فنمت ، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني ، من وراء الجيش ، فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان فأتاني ، وكان يراني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي ، والله ما تكلمت بكلمة ، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، حتى أناخ راحلته ، فوطئ يدها فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش معرسين في نحر الظهيرة ، فهلك من هلك ، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول ، فقدمنا المدينة ، فاشتكيت بها شهرا ، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ، لا أشعر بشيء من ذلك ، ويريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللطف الذي أرى منه حين أمرض ، إنما يدخل ، فيسلم ، ثم [ ص: 326 ] يقول : كيف تيكم ؟ فذلك يريبني ، ولا أشعر حتى نقهت ، فخرجت أنا ، وأم مسطح بنت أبي رهم قبل المناصع متبرزنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل ، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا ، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية أو في التنزه ، فأقبلت أنا ، وأم مسطح بنت أبي رهم ، نمشي فعثرت في مرطها ، فقالت : تعس مسطح ، فقلت لها : بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرا ؟ قالت : يا هنتاه ، ألم تسمعي ما قالوا ؟ قالت : قلت : وما قالوا ؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك ، فازددت [ ص: 327 ] مرضا على مرضي ، فلما رجعت إلى بيتي ، دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : كيف تيكم ؟ فقلت : ائذن لي آت أبوي ، قالت : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما ، قالت : فأذن لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتيت أبوي ، فقلت لأمي : ما يتحدث الناس ؟ فقالت : يا بنية هوني على نفسك الشأن ، فوالله ، لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ، ولها ضرائر إلا أكثرن عليها ، قالت : فقلت : سبحان الله ولقد تحدث الناس بهذا ؟ فبت تلك الليلة حتى أصبحت ، لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم ، ثم أصبحت ، ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب ، وأسامة بن زيد ، حين استلبث الوحي ، يستشيرهما في فراق أهله .

قالت : فأما أسامة بن زيد ، فأشار عليه بالذي يعلم من براءة أهله ، وبالذي يعلم في نفسه من الود لها ، فقال أسامة : أهلك يا رسول الله ، ولا نعلم والله إلا خيرا .

وأما علي بن أبي طالب ، فقال : يا رسول الله ، لم يضيق الله عليك ، والنساء سواها كثير ، وسل الجارية تصدقك .

قالت : فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بريرة ، فقال : يا بريرة ، هل رأيت منها شيئا يريبك ؟ فقالت بريرة : لا والذي بعثك بالحق ، [ ص: 328 ] إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها ، أكثر من أنها جارية حديثة السن ، تنام عن العجين ، فتأتي الداجن ، فتأكله . قالت : فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يومه ، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي ، فوالله ، فوالله ، فوالله - ثلاث مرات - ما علمت على أهلي إلا خيرا ، وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي . فقام سعد بن معاذ ، فقال : يا رسول الله ، أنا والله أعذرك [ ص: 329 ] منه ، إن كان من الأوس ضربنا عنقه ، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج ، وكان قبل ذلك رجلا صالحا ، ولكن احتملته الحمية ، فقال : كذبت ، لعمر الله ، والله ، لا تقتله ، ولا تقدر على قتله . فقام أسيد بن حضير ، فقال : كذبت ، لعمر الله ، والله ، لنقتلنه ، فإنك منافق ، تجادل عن المنافقين .

[ ص: 330 ] قال : فثار الحيان ، الأوس ، والخزرج ، حتى مضوا ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم على المنبر قال : فنزل ، فخفضهم ، حتى سكتوا ، وسكت .

قالت : وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم ، فأصبح عندي أبواي ، وقد بكيت ليلتين ويوما ، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي .

قالت : فبينا هما جالسان عندي ، وأنا أبكي ، إذ استأذنت امرأة من الأنصار ، فأذنت لها ، فجلست تبكي معي ، فبينا نحن كذلك ، إذ دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلس ، ولم يجلس عندي من يوم قيل ما قيل قبلها ، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني .

قالت : فتشهد ، ثم قال : أما بعد ، يا عائشة ، فإنه بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة ، فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت ، فاستغفري الله ، وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ، ثم تاب ، تاب الله عليه .

فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقالته ، قلص دمعي ، حتى ما [ ص: 331 ] أحس منه قطرة ، فقلت لأبي : أجب عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما قال . قالت : فقال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

فقلت لأمي : أجيبي عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما قال ، قالت : والله ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قالت : وأنا جارية حديثة السن ، لا أقرأ كثيرا من القرآن ، فقلت : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم بما تحدث به ، وقد قر في أنفسكم ، وصدقتم به ، ولئن قلت لكم : إني لبريئة - والله يعلم إني لبريئة - لا تصدقونني بذلك ، ولئن اعترفت لكم بأمر - الله يعلم أني منه بريئة - لتصدقني ، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف ، إذ قال : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون .

قالت : ثم تحولت على فراشي ، وأنا أرجو أن يبرئني الله ، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحي يتلى ، وأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري ، ولكن كنت أرجو أن يرى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - في النوم رؤيا تبرئني .

قالت : فوالله ، ما رام مجلسه ، ولا خرج أحد من أهل البيت ، حتى أنزل عليه ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء ، حتى إنه يتحدر [ ص: 332 ] منه مثل الجمان من العرق ، في يوم شات .

قالت : فلما سري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يضحك ، فكان أول كلمة تكلم بها ، أن قال : يا عائشة ، احمدي الله ، فقد برأك .

قالت لي أمي : قومي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : والله لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا الله وأنزل الله : إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم الآيات كلها ، فلما أنزل الله هذا في براءتي ، قال أبو بكر الصديق - وكان ينفق على مسطح بن أثاثة ، لقرابته منه - : والله ، لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعدما قال لعائشة ، فأنزل الله هذه الآية : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم .

قال أبو بكر : بلى ، والله ، إني لأحب أن يغفر الله لي ، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه .

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل زينب بنت جحش عن أمري ، فقال : يا زينب ، ما علمت ، وما رأيت ؟ قالت : يا رسول الله ، أحمي سمعي وبصري ، فوالله ما علمت عليها إلا خيرا .

[ ص: 333 ] قالت عائشة : وهي التي تساميني ، فعصمها الله بالورع
.

التالي السابق


الخدمات العلمية