صفحة جزء
577 - ( 4933 ) - أخبرنا أبو يعلى والحسن بن سفيان ، قالا حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي الطحان ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب الواسطي ، حدثني عروة بن الزبير ، وسعيد بن المسيب ، وعلقمة بن وقاص ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، [ ص: 340 ] عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا ، فبرأها الله ، وكلهم حدثني طائفة من حديثها ، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض ، وأثبت له اقتصاصا ، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة . قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه ، فأيتهن خرج سهمها أخرجها معه . قالت عائشة : فأقرع بيننا في غزوة غزاها ، فخرج فيها سهمي ، فخرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما أنزل الحجاب ، فكنت أحمل في هودج وأنزل فيه ، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته تلك ، وقفل ودنونا من المدينة قافلين أذن لنا بالرحيل ، فقمت حين أذن بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش ، فلما قضيت شأني ، أقبلت إلى رحلي فلمست صدري ، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع ، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه .

قالت : وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي ، فاحتملوا هودجي ، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب ، وهم يحسبون أني فيه ، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يغشهن اللحم ، وإنا نأكل العلقة من الطعام ، فلم يستنكر القوم خفة الهودج ، رفعوه ورحلوه ، وكنت جارية حديثة السن فبعثوا ، وساروا ، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش ، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب . [ ص: 341 ] فيممت منزلي الذي كنت به ، وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي .

فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني ، فنمت ، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش ، فأدلج ، فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان نائم ، فعرفني حين رآني ، وكان يراني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي ، والله ما تكلمت بكلمة ، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته ، فوطئ على يدها ، وقمت فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة ، حتى أتينا الجيش وهم نزول .

قالت : فهلك من هلك ، وكان الذي تولى كبره منهم الأول عبد الله بن أبي ابن سلول .

قال عروة : أخبرت أنه كان يشاع ويحدث به عنده ، فيقره ويشيعه ويستوشيه .

قال إبراهيم : يعني يستوشيه .

قال عروة : إنما لم يسم من أهل الإفك إلا مسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش ، في أناس آخرين لا علم لي بهم ، غير أنهم عصبة ، كما قال الله ، وإن كبر ذلك كان يقال عن عبد الله بن أبي ابن سلول .

قال عروة : كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان بن [ ص: 342 ] ثابت ، وتقول : إنه الذي قال :


فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء



قالت عائشة : فقدمت المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا ، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ، لا أشعر بشيء من ذلك ، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللطف الذي كنت أرى حين أشتكي ، إنما يدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول : كيف تيكم ؟ وينصرف ، فذلك الذي يريبني ، ولا أشعر حتى خرجت بعدما نقهت ، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع ، وكان متبرزنا ، أمرنا أمر العرب الأول في التنزيه ، قبل الغائط كنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا .

قالت : فانطلقت أنا ، وأم مسطح وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق ، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب ، فأقبلت أنا ، وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا ، فعثرت أم مسطح في مرطها ، فقالت : تعس مسطح .

فقلت لها : بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرا ؟

قالت : أي هنتاه أولم تسمعي ما قال ؟ قلت : وما قال ؟ [ ص: 343 ] فأخبرتني بقول أهل الإفك .

قالت : فازددت مرضا على مرضي ، فلما رجعت إلى بيتي ، دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : كيف تيكم ؟ فقلت : ائذن لي آت أبوي ، قالت : وأنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما ، فأذن لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتيتهما ، فقلت لأمي : يا أمتاه ، ماذا يتحدث الناس ؟ قالت : هوني عليك ، فوالله ، لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند زوجها يحبها ، لها ضرائر ، إلا أكثرن عليها .

قالت : فقلت : سبحان الله أولقد تحدث الناس بهذا ؟

قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم .

قالت : ثم أصبحت أبكي ، قالت : ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب ، وأسامة بن زيد ، يستشيرهما في فراق أهله .

قالت : فأما أسامة بن زيد ، فأشار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذي يعلم من براءة أهله ، وبالذي يعلم لهم في نفسه ، فقال أسامة بن زيد : يا رسول الله ، أهلك ولا نعلم إلا خيرا .

وأما علي ، فقال : يا رسول الله ، لم يضيق الله عليك النساء ، والنساء سواها كثير ، وسل الجارية تصدقك .

قالت : فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بريرة ، فقال : أي بريرة ، هل [ ص: 344 ] رأيت شيئا يريبك ؟ قالت له بريرة : والذي بعثك بالحق ، ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه ، أكثر من أنها جارية حديثة السن ، تنام عن عجين أهلها ، فتأتي الداجن ، فتأكله ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يومه ، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول ، وهو على المنبر ، فقال : يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي ، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت منه إلا خيرا ، وما دخل على أهلي إلا معي .

فقام سعد بن معاذ أحد بني عبد الأشهل ، فقال : يا رسول الله ، أنا أعذرك منه ، فإن كان من الأوس ، ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج ، أمرتنا ففعلنا ما أمرتنا به .

قال : فقام رجل من الخزرج ، وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه وهو سعد بن عبادة سيد الخزرج ، وكان رجلا صالحا ، ولكن احتملته الحمية ، فقال لسعد بن معاذ : كذبت ، لعمر الله لا تقتله ، ولا تقدر على قتله ، ولو كان من رهطك ما أحببت أن تقتله .

فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ ، فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله ، لنقتلنه ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين .

قالت : فثار الحيان ؛ الأوس والخزرج ، حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس على المنبر ، فلم يزل رسول [ ص: 345 ] الله - صلى الله عليه وسلم - يخفضهم حتى سكتوا ، وسكت .

قالت : وبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم ، قالت : وأصبح أبواي عندي ، بكيت يومي وليلتي لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم ، قالت : حتى أظن أن البكاء فالق كبدي .

قالت : فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي ، استأذنت علي امرأة من الأنصار ، فأذنت لها ، فجلست تبكي معي ، قالت : فبينما نحن على ذلك ، إذ دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلم ثم جلس .

قالت : ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل قبلها ، ولقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء .

قالت : فتشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين جلس ، ثم قال : أما بعد ، يا عائشة ، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف ، وتاب ، تاب الله عليه .

قالت : فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقالته ، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ، فقلت لأبي : أجب عني رسول الله فيما قال ، فقال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قالت : فقلت لأمي : أجيبي عني رسول الله فيما قال ، فقالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

[ ص: 346 ] قالت : فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا : إني والله ، لقد علمت ، ولقد سمعتم ، حتى استقر في أنفسكم ، وصدقتم به ، فإن قلت لكم : إني بريئة ، لا تصدقونني بذلك ، ولئن اعترفت بأمر ، والله يعلم أني منه بريئة ، لتصدقني ، والله ما أجد لي ولا لكم مثلا إلا أبا يوسف ، حين يقول : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون .

قالت : فتحولت ، فاضطجعت على فراشي ، والله يعلم حينئذ أني بريئة ، والله يبرئني ببراءتي ، ولكن والله ما كنت أظن أن الله ينزل في شأني وحيا ، لشأني أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر بيان ، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النوم رؤيا يبرئني الله بها .

قالت : فوالله ما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مجلسه ، ولا خرج أحد من أهل البيت ، حتى أنزل الله عليه ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء ، حتى إنه ليتحدر منه من العرق مثل الجمان ، وهو في يوم شات من ثقل القرآن الذي أنزل عليه ، قالت : فسري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يضحك ، وكان أول كلمة تكلم بها أن قال : يا عائشة أما الله فقد برأك .

قالت : فقالت أمي : قومي إليه ، فقلت : والله لا أقوم إليه ، وإني لا أحمد إلا الله ، وأنزل الله : إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم الآيات .

[ ص: 347 ] فلما أنزل الله هذا في براءتي ، قال أبو بكر الصديق ، وهو ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته ، وفقره : والله لا أنفق على مسطح شيئا بعد الذي قال لعائشة ، فأنزل الله : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى إلى قوله : والله غفور رحيم ، فقال أبو بكر : بلى والله ، إني لأحب أن يغفر الله لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه قال : والله لا أنزعها منه أبدا .

قالت : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل زينب بنت جحش عن أمري ، فقال لزينب : ماذا علمت أو رأيت ؟ قالت : يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ، والله ما علمت إلا خيرا .

قالت عائشة : وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فعصمها الله بالورع ، وطفقت أختها حمنة تحارب فهلكت فيمن هلك .


قال ابن شهاب : فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط .

التالي السابق


الخدمات العلمية