صفحة جزء
1034 - حدثنا أبو داود ، حدثنا صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب حين عمي - قال : سمعت كعبا وهو يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك ، غير أني لم أشهد بدرا ، ولم يعاتب الله أحدا تخلف عن بدر ، إنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد عير قريش حتى جمع الله عز وجل بينه وبين عدوه على غير موعد ، ولقد شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام ، وما أحب أن لي بها [ ص: 292 ] مشهد بدر ، وإن كانت بدر هي أذكر في الناس منها ، فكان من خبري أني حين تخلفت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه ، والله ما اجتمعت لي راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ، قال كعب : فليس أحد يريد أن يتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل الله عز وجل فيه وحيا .

قال : وغزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين طابت ثمار المدينة وظلالها ، فأنا إليه أصعر ، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوجهه الذي يريد ، وكان إذا غزا الغزوة ورى بغيرها ، حتى كانت تلك الغزوة ، والناس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثير لا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان . قال : واستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سفرا بعيدا ، ونحن عدد كبير ، فطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتجهز ، وغدوت كأني أتجهز ، ثم أرجع ولم أقض شيئا ، ثم أغدو كأني أتجهز ولم أقض شيئا ، قال : فلم يزل الأمر يتمادى بي حتى شمر الناس بالرحيل ، فطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غاديا والمسلمون معه ، فهممت أن أرتحل فلم يقدر لي ، وليتني فعلت ، فطفقت يحزنني أني إذا خرجت بعد خروج رسول الله في الناس لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ، ولم يذكرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى تبوك ، فقال في مجلس - وفي القوم معاذ بن جبل - بتبوك : " ما فعل كعب بن مالك ؟ " ، فقال رجل من بني سلمة : حبسه [ ص: 293 ] يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه ! فقال معاذ : بئس والله ما قلت ، والله يا رسول الله ما علمت إلا خيرا ! فبينا رسول الله كذلك إذا هو برجل يزول به السراب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كن أبا خيثمة " ، فإذا هو أبو خيثمة الذي تصدق بالصاع فلمزه المنافقون ولم يجد إلا جهده .

فلما بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قفل من تبوك حضرني بثي وحضرني الكذب ، وجعلت أقول : بم أخرج من سخط رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي ، فلما بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أظل قادما زاح عني الباطل ، فأجمعت على صدقه ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ، فإذا فعل ذلك جاءه المنافقون وكانوا أربعة وثمانين رجلا فيعتذرون إليه ويحلفون له ، فيقبل منهم علانيتهم ويستغفر لهم ، ويكل سرائرهم إلى الله ، حتى جئت ، فلما رآني تبسم تبسم المغضب ، ثم قال : " ما خلفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ " فقلت : يا رسول الله ، والله لو أني عند غيرك من أهل الدنيا لظننت أني سأخرج من سخطه ، لقد أعطيت جدلا ، ولكن والله لئن أنا حدثتك اليوم بحديث ترضى به عني ليوشكن الله أن [ ص: 294 ] يسخطك علي ، ولئن أنا حدثتك اليوم بحديث صدق تجد علي إني أرجو عقبى الله ، لا والله يا رسول الله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك ، والله ما اجتمعت لي راحلتان قط حتى جمعتهما في هذه الغزوة ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما هذا فقد صدقني ، قم حتى يقضي الله فيك .

قال : فقمت ، وثاب إلي رجال من قومي من بني سلمة فقالوا : والله ما علمناك أذنبت في الإسلام ذنبا قبل هذا ، فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أفلا اعتذرت إلى رسول الله بما اعتذر إليه المخلفون ؟ قال : فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى كدت أن أكذب نفسي ، قال : فقلت : هل لقي هذا معي أحد ؟ قال : لقيه معك رجلان قيل لهما ما قيل لك ، قلت : ومن هما ؟ فقالوا : هلال بن أمية الواقفي ومرارة بن الربيع العامري - فذكروا رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة .

قال : ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا أيها الثلاثة نفر من بين من تخلف عنه ، قال : فاجتنبنا الناس فلم يكلمونا ، فتنكرت لي والله نفسي ، وتنكرت لي الأرض في نفسي فما هي الأرض التي كنت أعرف ، فأما صاحباي فاستكانا وجلسا في بيوتهما ، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم ، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد ، فآتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأصلي معه ، فأسلم وأقول في نفسي : هل حرك شفتيه بالرد علي ؟ أسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل نحوي ، وإذا أقبلت نحوه أعرض عني ، فلما طال ذلك علي من جفوة المسلمين إيانا أتيت أبا قتادة - وهو ابن عمي وأحب [ ص: 295 ] الناس إلي - فكلمته ، فوالله ما كلمني ، فقلت : يا أبا قتادة ، نشدتك بالله أتعلمني أحب الله ورسوله ؟ فقال : الله ورسوله أعلم ، قال : ففاضت عيناي ، فتسورت الحائط فمضيت ، فبينما أنا في السوق ذات يوم إذ أتاني نبطي من أنباط الشام معه كتاب من ملك غسان ، وهو يقول : من يدلني على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون إلي ، فأخذت الكتاب ، وأنا قارئ أقرأ ، فإذا هو من ملك غسان ، فإذا فيه : أما بعد ، فقد بلغنا أن صاحبك قد أقصاك ، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة ، فالحق بنا فلنواسيك ! قال : قلت : هذا أيضا من الشر ، فأخذت الكتاب فتيممت به التنور فسجرته ، فلما مضى أربعون ليلة منذ نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا إذا رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جاءني ، فقال : إن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك . قلت : أطلقها أو ماذا أصنع بها ؟ قال : لا تقربها ، فقلت لامرأتي : يا هذه ، الحقي بأهلك حتى يقضي الله في هذا الأمر - وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك . قال : فجاءت امرأة هلال بن أمية فقالت : يا رسول الله ، إن هلالا رجل ضائع ليس له خادم ، أفتكره أن أخدمه ؟ قال : " لا ، ولكن لا يقربنك " ، فقالت : يا رسول الله ، والله ما كان منه حراك إلى شيء من ذلك منذ [ ص: 296 ] كان من أمره ما كان ، إنما هو يبكي . فقال لي بعض أهلي : وما عليك أن تستأذن في أهلك رسول الله ، فقد أذن لامرأة هلال . فقلت : والله لا أفعل ، وأنا رجل شاب لا أدري ما يقول رسول الله . قال : فبينا أنا كذلك في صبح خمسين ليلة منذ نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا صليت صلاة الصبح على ظهر بيت لنا ، ثم جلست على الحال التي ذكر الله : ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ، إذ سمعت صوت صارخ أوفى على سلع ، وركض إلي رجل فرسا ، فكان الصوت أسرع إلي من الفرس : أبشر يا كعب بن مالك ! فخررت ساجدا ، وعرفت أن قد جاء الفرج ، فجاء الذي سمعت صوته فنزعت ثوبين كانا علي - والله ما أملك غيرهما - فكسوتهما إياه بشارة ، ثم استعرت ثوبين فلبستهما ، ثم انطلقت أتيمم النبي صلى الله عليه وسلم .

قال كعب : وأخبرتني أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت محسنة في شأني ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عندها تلك الليلة ، فلما بقي ثلث الليل نزلت عليه توبتنا ، فقال لي : " أي أم سلمة ، تيب على كعب بن مالك وصاحبيه " . قالت : قلت : يا رسول الله ، أفلا أرسل إليه فأبشره ؟ قال : " إذا يحطمكم الناس ، يمنعونكم النوم سائر الليل " .

وأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتوبة الله علينا بعد ما صلى الصبح ، قال : فذهب قبل صاحبي مبشرون ، وذهب قبلي مبشرون . قال كعب : فانطلقت إلى [ ص: 297 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحوله المهاجرون والأنصار ، قد استنار وجهه كأنه قطعة قمر ، وكان إذا سر بشيء استنار وجهه ، فقام إلي طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يهرول حتى هنأني وصافحني ، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره ، فكان كعب لا ينساها لطلحة . قال : وجعل المسلمون يهنئوني بتوبة الله علي ، يقولون : لتهنك توبة الله ، لتهنك توبة الله ، حتى انتهيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما رآني قال : " تعال يا كعب ، وأبشر بخير يوم أتى عليك منذ يوم ولدتك أمك " . قلت : يا رسول الله ، أمن عندك أم من عند الله ؟ فقال : " بل من عند الله " ، قلت : يا رسول الله ، إن من توبتي أن أختلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله . فقال : " يا كعب ، أمسك عليك بعض مالك فإنه خير لك " . قلت : يا رسول الله ، فإني أمسك سهمي الذي بخيبر ، وقلت : يا رسول الله ، إن الله عز وجل إنما نجاني بالصدق ، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت .

قال كعب : فوالله ما أعلم أحدا أبلاه الله في صدق الحديث مثل الذي أبلاني ، والله ما تعمدت كذبا منذ ذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا ، وأنا أرجو أن يعصمني الله فيما بقي ، قال : فأنزل الله عز وجل : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الآيتين جميعا
.

[ ص: 298 ] [ ص: 299 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية