صفحة جزء
الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون

بسم الله الرحمن الرحيم .

الم ذكرنا تفسيره.

غلبت الروم قال أهل التفسير: غلبت فارس الروم ، ففرح بذلك كفار مكة ، وقالوا: الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم كتاب، وافتخروا على المسلمين، وقالوا: نحن أيضا نغلبكم كما غلبت فارس الروم .

وقوله: في أدنى الأرض يريد الجزيرة، وهي أقرب أرض الروم إلى فارس، وقال عكرمة : يعني أذرعات وكسكر، وهما من بلاد الشام ، يعني الروم .

من بعد غلبهم من بعد غلبة فارس إياهم، والغلب والغلبة لغتان، سيغلبون فارس .

في بضع سنين وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقد مر، أخبر الله أن الروم بعد ما غلبوا سيغلبون، ثم التقى الروم وفارس في السنة السابعة من غلبة فارس إياهم، فغلبتهم الروم، فجاء جبريل عليه السلام بهزيمة فارس وظهور الروم عليهم، ووافق ذلك يوم بدر .

لله الأمر من قبل ومن بعد أي: من قبل أن غلبت الروم ومن بعد ما [ ص: 428 ] غلبت، يعني أن غلبة أحد الفريقين الآخر أيهما كان الغالب أو المغلوب فإن ذلك كان بأمر الله وإرادته، وقضائه وقدرته، ويومئذ يعني: يوم تغلب الروم فارس ، يفرح المؤمنون بنصر الله الروم على فارس، قال السدي : فرح النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بظهورهم على المشركين يوم بدر ، وظهور أهل الكتاب على أهل الشرك بنصر الله.

ينصر من يشاء وهو العزيز الغالب، الرحيم بالمؤمنين، قال الزجاج : وهذه من الآيات التي تدل على أن القرآن من عند الله؛ لأنه أنبأ بما سيكون، وهذا لا يعلمه إلا الله عز وجل.

أخبرنا أبو نصر أحمد بن إبراهيم المهرجاني ، أنا عبيد الله بن محمد بن عمر الزاهد ، أنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، نا محمد بن سليمان بن لوين ، نا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عروة بن الزبير ، عن دينار بن مكرم ، وكانت له صحبة، قال: لما نزلت: الم غلبت الروم خرج بها أبو بكر إلى المشركين، فقالوا: هذا كلام صاحبك، قال: الله أنزل هذا وكانت فارس قد غلبت الروم، فاتخذوهم شبه العبيد وكان المشركون يحبون أن لا تغلب الروم فارس؛ لأنهم أهل جحد وتكذيب بالبعث، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب وتصديق بالبعث، فقالوا لأبي بكر: نراهنك على أن الروم لا تغلب فارس، قال أبو بكر : البضع ما بين الثلاث إلى التسع، قالوا: الوسط في ذلك ستة لا أقل ولا أكثر، قال: فوضعوا الرهان، وذلك قبل أن يحرم الرهان، فرجع أبو بكر، رضي الله عنه، إلى أصحابه فأخبرهم الخبر، فقالوا: بئس ما صنعت، ألا أقررتها كما قال الله: لو شاء الله أن يقول ستا لقال، فلما كانت سنة ست لم تظهر الروم على فارس فأخذوا الرهان، فلما كان سنة سبع ظهرت الروم على فارس فذلك قوله تعالى: ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله .

قوله: وعد الله أي: وعد الله ذلك وعدا، لا يخلف الله وعده في ظهور الروم على فارس، ولكن أكثر الناس يعني: كفار مكة ، لا يعلمون أن الله لا يخلف وعده في إظهار الروم على فارس ، ثم وصف كفار مكة ، فقال: يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا يعني: معايشهم وما يصلحهم، وقال الحسن : يعلمون متى زرعهم، ومتى حصادهم.

وروي عنه أنه قال: بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقد الدرهم بيده، فيخبرك بوزنه، ولا يحسن أن يصلي، وقال الضحاك : يعلمون بنيات قصورها، وتشقيق أنهارها، وغرس أشجارها، وقال الزجاج : يعلمون معايش الحياة، لأنهم كانوا يعالجون التجارات، فأعلم الله مقدار ما يعلمون.

وهم عن الآخرة هم غافلون حين لم يؤمنوا بها، ولم يعدوا لها.

التالي السابق


الخدمات العلمية