صفحة جزء
ثم وعظهم ليعتبروا، فقال: أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما [ ص: 429 ] كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون

أولم يتفكروا في أنفسهم في خلق الله إياهم، ولم يكونوا شيئا، فيعلموا ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق قال الفراء : إلا للخلق، يعني الثواب والعقاب.

وأجل مسمى قال مقاتل : للسموات والأرض أجل تنتهيان إليه، وهو يوم القيامة.

والمعنى: أولم يتفكروا في خلق الله إياهم ولم يكونوا شيئا، فيعلموا أن خلق السماوات والأرض لأمر، وأن لهما أجلا وهو يوم القيامة.

وإن كثيرا من الناس يعني: كفار مكة ، بلقاء ربهم بالبعث بعد الموت، لكافرون لا يؤمنون بأنه كائن، ثم خوفهم، فقال: أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم أولم يسافروا في الأرض فينظروا إلى مصارع الأمم قبلهم، ويعلموا أنهم أهلكوا بتكذيبهم فيعتبروا، ثم وصف تلك الأمم، فقال: كانوا أشد منهم قوة أعطوا من القوة ما لم يعطها هؤلاء، وأثاروا الأرض حرثوها وقلبوها للزراعة والغرس، وعمروها أي: كفار مكة ، لأنهم كانوا أطول عمرا، وأكثر عددا، وجاءتهم رسلهم بالبينات بالدلالات والحجج، وأخبروهم بأمر العذاب، فما كان الله ليظلمهم بتعذيبهم على غير ذنب، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بالكفر والتكذيب، ودل هذا على أنهم لم يؤمنوا فأهلكهم الله، ثم أخبر عن عاقبتهم، فقال: ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى في السوأى قولان: أحدهما أنها النار ضد الحسنى وهي الجنة، وهذا قول الفراء ، والزجاج ، والأكثرين.

قال ابن قتيبة : السوأى جهنم ضد الحسنى وهي الجنة.

وإنما سميت سوأى لأنها يسوء صاحبها، ومعنى أساءوا أشركوا، قاله ابن عباس ، ومقاتل .

وفي عاقبة الذين قراءتان: النصب والرفع، فمن نصب جعلها خبر كان ونصبها متقدمة، كما قال: وكان حقا علينا نصر المؤمنين وتقدير الكلام: ثم وكان السوء عاقبة الذين أساءوا، ويكون أن في قوله: أن كذبوا مفعولا له، أي لأن كذبوا.

قال الزجاج : المعنى: ثم كان عاقبة الكافرين النار لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم.

القول الثاني في السوأى: أنها مصدر بمنزلة الإساءة، ويكون المعنى: ثم كان التكذيب آخر أمرهم، أي ماتوا على ذلك، فكأن الله تعالى جازاهم على إساءتهم أن طبع على قلوبهم حتى ماتوا على التكذيب والشرك عقابا لهم بذنوبهم.

أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الله الأصفهاني ، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر الحافظ ، نا محمد بن يحيى ، نا أحمد بن منصور المروزي ، نا [ ص: 430 ] محمد بن عبد الله بن بكير ، سمعت ابن عيينة يقول في قوله تعالى: ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله إن لهذه الذنوب عواقب سوء، لا يزال الرجل يذنب فينكت على قلبه حتى يسوء القلب كله، فيصير كافرا.

التالي السابق


الخدمات العلمية