يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور قوله: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة قال المفسرون: نزلت في
nindex.php?page=showalam&ids=106عبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم قاموا بشرائعه وشرائع
موسى، فعظموا السبت، وكرهوا لحم الإبل وألبانها بعدما أسلموا، فأنكر ذلك عليهم المسلمون، فقالوا: إنا نقوى على هذا وعلى هذا.
فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن
[ ص: 313 ] التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها في صلاتنا.
فأنزل الله هذه الآية.
و "السلم" بكسر السين: الإسلام، وهو اسم جعل بمنزلة المصدر، كالعطاء من أعطيت، والنبات من أنبت، والفتح لغة، ويجوز أن يكون بالفتح والكسر: الصلح، والمراد بالصلح: الإسلام ؛ لأن الإسلام صلح، ألا ترى أن القتال من أهله موضوع، وأنهم أهل اعتقاد واحد ويد واحدة في نصرة بعضهم لبعض؟ فسمي الإسلام صلحا لما ذكرنا.
وقوله: كافة "الكافة": اسم للجملة الجامعة لأنها تمنع من الشذوذ والتفرق، والمعنى: ادخلوا في شرائع الإسلام جملة مانعة من شريعة لم تدخلوا فيها.
و "الكافة" في اللغة: الحاجزة المانعة، يقال: كففت فلانا عن السوء فكف يكف كفا.
سواء لفظ اللازم والمجاوز،
ولا تتبعوا خطوات الشيطان آثاره ونزعاته فيما زين لكم من تحريم السبت ولحم الجمل،
إنه لكم عدو مبين ظاهر العداوة، أخرج أباكم من الجنة وقال:
لأحتنكن ذريته .
وقوله: فإن زللتم يقال: زلت قدمه تزل زللا وزلا وزليلا، إذا دحضت.
ومعنى زللتم: تنحيتم عن القصد والشرائع في تحريم السبت ولحوم الإبل،
من بعد ما جاءتكم البينات يعني القرآن ومواعظه،
فاعلموا أن الله عزيز في انتقامه، لا تعجزونه،
حكيم فيما شرع لكم من دينه.
قوله:
هل ينظرون الآية، هل ها هنا: استفهام يراد به النفي والإنكار، كما يقال: هل يفعل هذا إلا مائق؟! أي: ما يفعل، وينظرون بمعنى: ينتظرون، يقال: نظرته، وانتظرته.
ومنه قوله تعالى:
انظرونا نقتبس من نوركم ، وقوله:
فناظرة بم يرجع المرسلون ، والمعنى: ما ينتظر التاركون الدخول في السلم والمتبعون خطوات الشيطان إلا العذاب يوم القيامة؟! يريد: أنه لا ثواب لهم، فلا ينتظرون إلا العذاب، وهو قوله:
إلا أن يأتيهم الله أي: يأتيهم عذاب الله، أو أمر الله، فحذف المضاف، ومثل هذا قوله:
فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا أي: عذاب الله.
[ ص: 314 ] وقوله:
في ظلل من الغمام الظلل: جمع ظلة مثل: حلة وحلل، وهي ما يستظل به من الشمس، ويسمى السحاب ظلة لأنه يستظل بها، ومنه قوله:
عذاب يوم الظلة أراد: غيما تحته سموم، والمعنى: أن العذاب يأتي فيها ويكون أهول، وقوله: والملائكة يعني: الذين وكلوا بتعذيبهم، وقضي الأمر أي: فرغ لهم مما يوعدون به بأن قدر ذلك عليهم وأعد لهم،
وإلى الله ترجع الأمور أي: في الجزاء من الثواب والعقاب، وذلك أن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم، ثم إليه يصيرون، فيعذب من يشاء ويرحم من يشاء، وهذا كقوله:
ألا إلى الله تصير الأمور وقرئ ترجع الأمور - بضم التاء وفتح الجيم - أي: ترد إليه الأمور.