صفحة جزء
ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون

ويوم يعرض الذين كفروا على النار يعني : كفار مكة ، ويقال لهم : أذهبتم طيباتكم قرئ بالاستفهام والخبر ، قال الفراء ، والزجاج : العرب توبخ بالألف وبغير الألف ، فتقول : أذهب ففعلت كذا ، وذهبت ففعلت كذا .

والمعنى في القراءتين سواء ، وهو التوبيخ لهم .

قال الكلبي : يعني اللذات ، وما كانوا فيه من المعايش ، وتمتعهم بها في الحياة الدنيا .

ولما وبخ الله الكافرين بالتمتع بالطيبات في الدنيا ، آثر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه والصالحون اجتناب نعيم العيش ولذته ، وآثروا التقشف والزهد ، رجاء أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل .

أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النصراباذي ، أنا محمد بن الحسن بن الحسين بن منصور ، حدثني الحسين بن أحمد بن منصور ، نا عبد الله بن عمر بن أبان ، نا المحاربي ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : استأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت عليه في [ ص: 111 ] مشربة ، وإنه لمضطجع على خصفة ، وإن بعضه لعلى التراب ، وتحت رأسه وسادة محشوة ليفا ، فسلمت عليه ثم جلست ، فقلت : يا رسول الله ، أنت نبي الله ، وصفوته ، وخيرته من خلقه ، وكسرى وقيصر على سرر الذهب ، وفرش الديباج والحرير ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا عمر إن أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم وهي وشيكة الانقطاع ، وإنا أخرت لنا طيباتنا " .

أخبرنا أبو بكر التميمي ، أنا أبو الشيخ الحافظ ، نا إبراهيم بن محمد بن الحسن ، نا أبو الربيع سليمان بن داود ، نا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن موسى بن سعد ، عن سالم بن عبد الله ، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول : والله ما نعبأ بلذات العيش أن نأمر بصغار المعزى فتسمط لنا ، ونأمر بلباب الحنطة فيخبز لنا ، ونأمر بالزبيب فينبذ لنا حتى إذا صار مثل عين اليعقوب أكلنا هذا وشربنا هذا ولكنا نريد أن نستبقي طيباتنا لأنا سمعنا الله تعالى يذكر قوما ، فقال : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها .

وأخبرنا أبو بكر التميمي ، أخبرنا أبو الشيخ الحافظ ، أنا أبو يحيى ، نا سهل بن عثمان ، نا حفص بن غياث ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، [ ص: 112 ] عن جابر بن عبد الله ، قال : رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه لحما معلقا في يدي ، فقال : ما هذا يا جابر ؟ فقلت : اشتهيت لحما فاشتريته .

فقال عمر : أو كلما اشتهيت يا جابر اشتريت ؟ أما تخاف هذه الآية يا جابر
أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا .

أخبرني محمد بن عبد العزيز المروزي في كتابه ، أن محمد بن محمد بن الحسين الحداد أخبرهم ، عن محمد بن يحيى ، أنا إسحاق بن إبراهيم ، أنا جرير ، عن عمارة بن القعقاع ، عن أبي زرعة ، قال : دخل عتبة بن فرقد على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يكدم كعكا شاميا ويتفوق لبنا جازرا فقال : يا أمير المؤمنين ، لو أمرت أن أضع لك طعاما ألين من هذا ؟ فقال : يا ابن فرقد أترى أحدا من العرب أقدر على ذلك مني ؟ فقال : ما أحد أقدر على ذلك منك يا أمير المؤمنين ، فقال عمر : سمعت الله عير أقواما ، فقال : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها الآية .

قوله : فاليوم يعني : يوم القيامة ، تجزون عذاب الهون يعني : العذاب الذي فيه ذلك ، وخزي ، بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق تتكبرون عن عبادة الله ، والإيمان به ، وبما كنتم تفسقون تعصون .

التالي السابق


الخدمات العلمية