صفحة جزء
أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الصيدلاني ، نا محمد بن عبد الله بن محمد البيع ، أنا أبو العباس السياري ، نا إبراهيم بن هلال ، نا علي بن الحسن بن شقيق ، أنا الحسين بن واقد ، حدثني ثابت البناني ، عن عبد الله بن مغفل المزني ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن ، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا ، فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ الله أبصارهم ، فقمنا إليهم فأخذناهم ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل جئتم في عهد ، أو هل جعل لكم أحد أمانا ؟ فقالوا : اللهم لا ، فخلى سبيلهم فأنزل الله عز وجل : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا .

أخبرنا أبو بكر الفارسي ، أنا محمد بن عيسى بن عمرويه ، نا إبراهيم بن محمد ، نا مسلم ، حدثني عمرو الناقد ، نا يزيد بن هارون ، أنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فأخذهم سلما فاستحياهم [ ص: 143 ] وأنزل الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم والمعنى أن الله تعالى ذكر منته بحجزه بين الفريقين حتى لم يقتتلا ، وحتى اتفق بينهم الصلح الذي كان أعظم من الفتح ثم ذكر سبب منعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك العام دخول مكة ، فقال : هم الذين كفروا يعني : كفار مكة ، وصدوكم عن المسجد الحرام أن تطوفوا به ، وتحلوا من عمرتكم ، والهدي وصدوا الهدي ، وهي : البدن التي ساقها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ، وكانت سبعين بدنة ، معكوفا محبوسا ، يقال : عكفته عن كذا عكفا ، أي : حبسته فعكف عكوفا ، كما يقال : رجعته رجعا ، فرجع رجوعا ، أن يبلغ محله منحره ، وهو حيث تحل نحره يعني : الحرم ، ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات يعني : المستضعفين من المؤمنين الذين كانوا بمكة بين الكفار ، لم تعلموهم لم تعرفوهم ، أن تطؤوهم بالقتل وتوقعوا بهم ، قال الزجاج : المعنى : لولا أن تطؤوا رجالا مؤمنين ، ونساء مؤمنات .

فتصيبكم منهم معرة إثم ، وجناية بغير علم ، وذلك : أنهم لو كبسوا مكة وفيها قوم مؤمنون ، لم يتميزوا من الكفار ، لم يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين فتلزمهم الكفارة ، وتلحقهم سبة بأنهم قتلوا من هو على دينهم ، فهذه المعرة التي صان الله المؤمنين عنها ، وقوله : بغير علم موضعه التقديم ؛ لأن التقدير : لولا أن تطؤوهم بغير علم ، ليدخل الله في رحمته من يشاء اللام متعلقة بمحذوف دل عليه معنى الكلام على تقدير : حال بينكم وبينهم ، ليدخل الله في رحمته من يشاء ، يعني : من أسلم من الكفار بعد الصلح ، لو تزيلوا لو تميزوا ، يعني : المؤمنين من الكفار ، لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما يعني : بالقتل ، والسبي بأيديكم .

إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية وهي الأنفة والإنكار ، يقال : فلان ذو حمية منكرة ، إذا كان ذا غضب وأنفة ، قال المقاتلان : قال أهل مكة : قد قتلوا أبناءنا وإخواننا ، ويدخلون علينا في منازلنا ، فتحدث العرب أنهم قد دخلوا علينا رغم أنفنا ! واللات والعزى لا يدخلونها عليها .

فهذه حمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم ، فأنزل الله [ ص: 144 ] سكينته على رسوله وعلى المؤمنين حتى لم يدخلهم ما دخلهم من الحمية ، فيعصوا الله في قتالهم ، وقوله : وألزمهم كلمة التقوى وهي : لا إله إلا الله ، الكلمة التي ينفى بها الشرك .

أخبرنا أبو نصر أحمد بن عبيد الله المخلدي ، أنا محمد بن محمد بن يعقوب ، أنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ، نا الحسن بن قزعة ، نا سفيان بن حبيب ، نا شعبة ، عن ثوير ، عن أبيه ، عن أبي الطفيل ، عن أبيه ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : وألزمهم كلمة التقوى قال : لا إله إلا الله .

أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان ، أنا أحمد بن جعفر القطيعي ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، نا عبد الوهاب الخفاف ، نا شعبة ، عن قتادة ، عن مسلم بن يسار ، عن حمدان بن أبان ، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : " إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه إلا حرم على النار " فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أنا أحدثك ما هي ، هي كلمة الإخلاص التي ألزمها الله تعالى محمدا وأصحابه ، وهي كلمة التقوى التي ألاص عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب عند الموت ، شهادة أن لا إله إلا الله وكانوا أحق بها من كفار مكة ، وكانوا أهلها في علم الله ؛ لأن الله تعالى اختار لنبيه صلى الله عليه وسلم ، ولدينه أهل الخير ، ومن هم أولى بالهداية من غيرهم ، وكان الله بكل شيء عليما من أمر الكفار وما يستحقونه ، وأمر المؤمنين وما يستحقونه .

التالي السابق


الخدمات العلمية