صفحة جزء
والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا فويل يومئذ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون

بسم الله الرحمن الرحيم .

(والطور ) أقسم الله تعالى بالجبل ، الذي كلم عليه موسى عليه السلام .

وكتاب مسطور يعني : ما أثبت على بني آدم من أعمالهم .

في رق منشور الرق : ما يكتب فيه ، والمنشور : المبسوط ، قال مقاتل : تخرج إليهم أعمالهم يومئذ في رق ، يعني : أديم الصحف .

وقال الفراء : الرق : الصحائف التي تخرج إلى بني آدم [ ص: 184 ] يوم القيامة ، فآخذ كتابه بيمينه ، وآخذ كتابه بشماله .

وهذا كقوله : ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ، والبيت المعمور .

أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم ، أنا إسماعيل بن بجير ، نا محمد بن الحسن بن الخليل نا هشام بن عمار الوليد بن مسلم ، نا روح بن جناح ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البيت المعمور في السماء الدنيا ، وفي السماء الرابعة نهر يقال له الحيوان يدخله جبريل كل يوم طلعت فيه الشمس ، فإذا خرج انتفض انتفاضة خرت منه سبعون ألف قطرة ، يخلق الله من كل قطرة ملكا يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور فيصلون فيه فيفعلون ثم لا يعودون إليه أبدا " .

أخبرنا أبو حسان المزكي ، أنا هارون بن محمد الإستراباذي ، أنا إسحاق بن أحمد الخزاعي ، أنا أبو الوليد الأزرقي ، نا جدي ، عن سعيد بن سالم ، حدثني ابن جريج ، عن صفوان بن سليم ، عن كريب ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البيت الذي في السماء ، يقال له : الضراح ، وهو بحذاء البيت الحرام ، ولو سقط سقط عليه ، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون فيه أبدا" .

أخبرنا إسماعيل النصراباذي ، أنا المغيرة بن عمرو بن الوليد العدني ، أنا المفضل بن محمد الشعبي ، نا محمد بن يوسف ، نا أبو قرة ، قال : سمعت عبد الله بن عتبة بن طاوس ، يذكر عن عمه عبد الله بن طاوس ، أنه سمعه ، يقول : إن البيت المعمور في السماء السابعة بحذاء هذا البيت ، تحج إليه الملائكة يوم حجكم هذا .

والسقف المرفوع [ ص: 185 ] يعني : السماء .

والبحر المسجور المملوء ، يقال : سجرت الإناء إذا ملأته ، روي عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، أنه قال : هو بحر تحت العرش ، فيه ماء غليظ ، يقال له : بحر الحيوان ، يمطر العباد بعد النفخة الأولى منه أربعين صباحا ، فينبتون في قبورهم .

وهذا قول الكلبي ، ومقاتل ، قالا : يحي الله تعالى به الموتى فيما بين النفختين .

وقال مجاهد : البحر المسجور الموقد .

من السجر وهو : إيقاد النار في التنور .

وهذا كما يروى : إن الله تعالى يجعل البحار كلها نارا ، فتزداد في نار جهنم .

أقسم الله تعالى بهذه الأشياء للتنبيه على ما قيل من عظيم القدرة ، على أن تعذيب المشركين حق .

وهو قوله : إن عذاب ربك لواقع لكائن في الآخرة .

ما له من دافع يدفع عنهم ذلك العذاب ، قال جبير بن مطعم : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، لأكلمه في أسارى بدر ، فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه المغرب ، وصوته يخرج من المسجد ، فسمعته يقرأ : إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع ، فكأنما صدع عن قلبي حين سمعت القرآن ، ولم يكن أسلم يومئذ .

ثم بين أنه متى يقع ، فقال : يوم تمور السماء مورا تدور دورانا وتضطرب ، وتتحرك وتستدير ، كل هذا من عبارات المفسرين ، والمور في اللغة : الذهاب والمجيء ، والتردد والدوران .

وتسير الجبال عن أماكنها ، حتى تستوي بالأرض .

فويل فشدة عذاب ، يومئذ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون يخوضون في حديث محمد عليه السلام ، بالتكذيب ، والاستهزاء ، يلهون بذكره .

يوم يدعون يدفعون ، إلى نار جهنم دعا دفعا بعنف وجفوة ، قال مقاتل : تغل أيديهم إلى أعناقهم ، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم ، ثم يدفعون إلى جهنم دفعا على وجوههم .

حتى إذا دنوا منها ، قال لهم خزنتها : هذه النار التي كنتم بها تكذبون في الدنيا .

ثم وبخهم لما عاينوا ما كانوا يكذبون به ، وهو قوله : أفسحر هذا الذي ترون ، أم أنتم لا تبصرون ؟ وذلك أنهم كانوا ينسبون محمدا صلى الله عليه وسلم إلى السحر ، وإلى أنه يغطي على الأبصار بالسحر ، فلما شاهدوا ما وعدوا به من العذاب ، وبخوا بهذا .

وقيل لهم : اصلوها وآسوا شدتها ، فاصبروا على العذاب ، أو لا تصبروا سواء عليكم الصبر والجزع ، إنما تجزون ما كنتم تعملون أي : جزاء ما كنتم تعملون من الكفر والتكذيب .

التالي السابق


الخدمات العلمية