صفحة جزء
سنفرغ لكم أيه الثقلان فبأي آلاء ربكما تكذبان يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان فبأي آلاء ربكما تكذبان يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران فبأي آلاء ربكما تكذبان

سنفرغ لكم هذا وعيد من الله تعالى للخلق بالمحاسبة، ولا يشغله شأن عن شأن، وإنما حسن لفظ الفراغ لسبق ذكر الشأن، والمعنى: سنترك ذلك الشأن إلى هذا، قال الزجاج : سنقصد لحسابكم.

وهذا قول ابن الأعرابي ، واختيار أبي علي الفارسي ، قال: ليس الفراغ هاهنا فراغا من شغل، ولكن تأويله القصد. والمفسرون على أن هذا تهديد منه لعباده، وقرئ بالياء سيفرغ لتقدم قوله: وله الجوار ، ويبقى وجه ربك ، وقوله: أيه الثقلان يعني: الجن والإنس، يدل عليه قوله: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا أي: تخرجوا، يقال: نفذ الشيء من الشيء إذا أخلص منه، كالسهم ينفذ من الرمية، من أقطار السماوات والأرض جوانبها ونواحيها، واحدها: قطر، والمعنى: إن استطعتم أن تهربوا من الموت، بالخروج من أقطار السماوات والأرض، فاهربوا واخرجوا منها، والمعنى: أنكم حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال الله [ ص: 223 ] تعالى: أينما تكونوا يدرككم الموت ، ولن تستطيعوا أن تهربوا منه، لا تنفذون إلا بسلطان يقول: إلا بملكي، أي: حيث توجهتم فثم ملكي، وأنا آخذكم بالموت، ومعنى السلطان: القوة التي يتسلط بها على الأمر، ثم الملك، والقدرة، والحجة كلها سلطان.

قوله: يرسل عليكما شواظ من نار جاء في الخبر: يحاط على الخلق بلسان من نار، ثم ينادون: يا معشر الجن والإنس، إن استطعتم الآية، وذلك قوله: يرسل عليكما شواظ من نار والشواظ: اللهب الذي لا دخان معه، وقرأ ابن كثير بكسر الشين، وهو لغة أهل مكة ، ومثله صوار من بقي وصوار، وقوله: ونحاس وهو الدخان، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء ، والكلبي ، وسعيد بن جبير ، والوالبي ، وأكثر القراء فيه على الرفع، بالعطف على قوله: شواظ والمعنى: يرسل عليكما شواظ، ويرسل نحاس، أي: يرسل هذا مرة وهذا مرة، ويجوز أن يرسلا معا من غير أن يختلط أحدهما بالآخر، وقرئ بالكسر وهو ضعيف؛ لأنه لا يمكن أن يعطف به على نار، في قوله: من نار لأنه لا يكون شواظ من نحاس، قال أبو علي : وهو يجوز من وجه، على أن تقديره: يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس، على أنه قد حكي أن الشواظ لا يكون إلا من النار والدخان جميعا.

ونحو هذا حكي عن أبي عمرو ، وقوله: فلا تنتصران أي: لا تمتنعان من الله، ولا يكون لكم ناصر منه.

التالي السابق


الخدمات العلمية