صفحة جزء
ثلة من الأولين وقليل من الآخرين على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا [ ص: 233 ] يعملون لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما

ثلة من الأولين يعني: من لدن آدم إلى زمان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والثلة: جماعة غير محصورة العدد، قال مقاتل : يعني: سابق الأمم.

وقليل من الآخرين من هذه الأمة، قال الزجاج : الذين عاينوا جميع النبيين، وصدقوا بهم، أكثر ممن عاين النبي صلى الله عليه وسلم.

على سرر موضونة منسوجة، كما توضن حلق الدرع، فيدخل بعضها في بعض، قال المفسرون: منسوجة بقضبان الذهب.

يطوف عليهم ولدان مخلدون غلمان لا يهرمون، ولا يتغيرون، قال الفراء : والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط: إنه لمخلد. قال: ويقال: مخلدون مقرطون، يقال: خلد جاريته، إذ أخلدها بالخلد، وهي القرط .

قال ابن عباس : غلمان لا يموتون.

بأكواب هي الأقداح المستديرة الأفواه، لا آذان لها ولا عرى، والأباريق ذات الخراطيم، واحدها: إبريق، وهو الذي برق لونه من صفائه.

وما بعد هذا مفسر في سورة والصافات، إلى قوله: مما يتخيرون أي: يختارون، يقال: تخيرت الشيء أخذت خيره.

ولحم طير مما يشتهون قال ابن عباس : يخطر على قلبه الطير، فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى.

وحور عين أكثر القراءة بالرفع على معنى: ولهم أو عندهم حور عين، ومن قرأ بالخفض، فقال الفراء : هو وجه الكلام على أن يتبع آخر الكلام أوله، وإن لم يحسن في الآخرة ما حسن في الأول، يعني: أنه عطف على الأول في الظاهر، وإن لم يعطف في المعنى، كما قال الشاعر:


وزججن الحواجب والعيونا



[ ص: 234 ] فعطف العيون على الحواجب وهي لا تتزجج، على معنى: كحلن العيون؛ لذلك هاهنا معناه: ويكرمون بفاكهة، ولحم طير، وحور عين.

جزاء بما كانوا يعملون أي: يفعل ذلك بهم جزاء أعمالهم.

لا يسمعون فيها لغوا أي: لا لغو فيها فيسمع، ولا تأثيما أي: لا يقولون بعضهم لبعض: أثمت، لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم، وهذا معنى قول ابن عباس : لا يتكلمون بالإثم كما يتكلم أهل الدنيا.

إلا قيلا أي: لكن يقولون قيلا، أو يسمعون قيلا، سلاما يسلمون فيه من اللغو والإثم، وقال عطاء : يحيي بعضهم بعضا بالسلام.

التالي السابق


الخدمات العلمية