صفحة جزء
[ ص: 248 ] يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير

يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم يعني: على الصراط يوم القيامة، وهو دليلهم إلى الجنة، قال قتادة : إن المؤمن يضيء له نوره، كما بين عدن إلى صنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدميه.

وقال ابن مسعود : يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، منهم من نوره مثل الجبل، وأدناهم نورا نوره على إبهامه يطفئ مرة، ويوقد أخرى.

وقوله: وبأيمانهم قال الضحاك ، ومقاتل : وبأيمانهم كتبهم التي أعطوها، فكتبهم بأيمانهم، ونورهم بين أيديهم. وتقول لهم الملائكة: بشراكم اليوم الآية.

ثم ذكر حال المنافقين في ذلك اليوم، فقال: يوم يقول المنافقون والمنافقات الآية، قال أبو أمامة : يغشى الناس يوم القيامة ظلمة شديدة، ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نورا، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئا. فيمضي المؤمنون، ويقول المنافقون: للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قال الكلبي : يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور، فإذا سبقهم المؤمنون، قال: انظرونا نقتبس من نوركم أي: انتظرونا، ونظر بمعنى: انتظر كثير في التنزيل. وقرأ حمزة : أنظرونا بقطع الألف من الإنظار، قال الزجاج : معناه: انتظرونا أيضا، وأنشد بيت عمرو بن كلثوم :


أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقينا



[ ص: 249 ] قوله: قيل ارجعوا وراءكم قال ابن عباس : يقول المؤمنون لهم. وقال مقاتل : قالت لهم الملائكة: ارجعوا وراءكم، من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا نورا، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور، فلا يجدون شيئا، فينصرفون إليهم ليلحقوهم، فيميز بينهم وبين المؤمنين، وهو قوله: فضرب بينهم أي: بين المؤمنين والمنافقين، بسور وهو الحائط، له لذلك السور، باب باطنه فيه الرحمة في باطن ذلك السور الرحمة، وهي: الجنة التي فيها المؤمنون، وظاهره وخارج السور، من قبله العذاب أي: من قبله يأتيهم العذاب، يعني: جهنم والنار، قال قتادة : هو حائط بين الجنة والنور. والمعنى: أن المؤمنين يسبقونهم فيدخلون الجنة، والمنافقون يحصلون في العذاب والنار، وبينهم السور الذي ذكره الله تعالى.

ينادونهم ألم نكن معكم وهو أن المؤمنين إذا فاتوا المنافقين ينادونهم من وراء السور، ألم نكن معكم نصلي بصلاتكم في مساجدكم، قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم استعملتموها في الكفر، والمعاصي، والشهوات، وكلها فتنة، وتربصتم بمحمد صلى الله عليه وسلم الموت، وقلتم: يوشك أن يموت، فنستريح منه، وارتبتم شككتم في نبوته، وفيما أوعدكم، وغرتكم الأماني يعني: ما كانوا يتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين، حتى جاء أمر الله يعني: الموت، قال قتادة : ما زالوا في خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار. وهو قوله: وغركم بالله الغرور أي: وغركم الشيطان بحلم الله، وإمهاله.

فاليوم لا يؤخذ منكم فدية بدل بأن تفدوا أنفسكم من العذاب، مأواكم النار هي مولاكم هي أولى بكم لما أسلفتم من الذنوب والمعاصي، والمعنى: أنها هي التي تلي عليكم؛ لأنها قد ملكت أمركم، فهي أولى بكم من كل شيء.

التالي السابق


الخدمات العلمية