صفحة جزء
وباقي الآية ظاهر التفسير إلى قوله: ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون

ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى الآية، قال المفسرون: إن المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم، ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوؤهم، فيحزنون لذلك، فلما طال ذلك وكثر، شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم ألا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا عن ذلك، وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وقوله: ويتناجون بالإثم والعدوان يعني: في مخالفة الرسول في النهي عن النجوى، [ ص: 264 ] وهو قوله: ومعصيت الرسول وذلك: أنه نهاهم عن النجوى، فعصوه، ويجوز أن يكون الإثم والعدوان ذلك السر الذي يجري بينهم؛ لأنه شيء يسوء المسلمين، ويوصي بعضهم بعضا بمعصية الرسول، وترك أمره، وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله وذلك أن اليهود كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم، فيقولون: السام عليك. والسام: الموت، وهم يوهمونه أنهم يقولون: السلام عليك، ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول وذلك: أنهم قالوا: لو كان محمد نبيا، لعذبنا الله بما نقول.

قال الله تعالى: حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الزاهد ، أنا إبراهيم بن عبد الله الأصفهاني ، أنا محمد بن إسحاق الثقفي ، نا قتيبة ، نا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت: جاء ناس من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقلت: السام عليكم وفعل الله بكم وفعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه يا عائشة، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، فقلت: يا رسول الله، ألست ترى ما يقولون؟ قال: ألست ترين أرد عليهم ما يقولون؟ أقول: وعليكم، قالت: ونزلت هذه الآية في ذلك وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول قالت: بما يقولون لمحمد صلى الله عليه وسلم حسبهم جهنم الآية، ثم نهى المنافقين عن التناجي، فقال: يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم قال مقاتل : يعني: المنافقين.

وقال عطاء : يريد: آمنوا بزعمهم.

فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول تقدم تفسيره، وتناجوا بالبر والتقوى بالطاعة، وترك المعصية، ثم خوفهم، فقال: واتقوا الله الذي إليه تحشرون فيجزيكم بأعمالكم، وذكر أن هذه الآية خطاب للمؤمنين، وأنهم نهوا أن يفعلوا كفعل المنافقين واليهود، وهو اختيار الزجاج .

ثم ذكر أن ما يفعله اليهود والمنافقون من جهة الشيطان، وأن ذلك لا يضر المؤمنين، فقال: إنما النجوى من الشيطان أي: من تزيين الشيطان، ليحزن الذين آمنوا أي: إنما يزين لهم ذلك، ليحزن المؤمنين، وذلك: أن المؤمنين إذا رأوهم [ ص: 265 ] متناجين، قالوا: لعلهم يتناجون بما بلغهم عن إخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل، أو موت، أو هزيمة، قال الله تعالى: وليس بضارهم شيئا وليس الشيطان بضارهم شيئا، إلا بإذن الله إلا ما أراد الله ذلك، قال مقاتل : يقول: إلا بإذن الله في الضرر. وعلى الله فليتوكل المؤمنون أي: يكلون أمورهم على الله.

التالي السابق


الخدمات العلمية