ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين
قوله:
ألم تر إلى الذين نافقوا يعني:
عبد الله بن أبي وأصحابه،
يقولون لإخوانهم أي: في الدين، لأنهم
[ ص: 276 ] كفار مثلهم، وهم اليهود، وهو قوله:
الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم أي: من المدينة،
لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم في خذلانكم، أحدا أبدا ووعدوهم النصر، بقولهم:
وإن قوتلتم لننصرنكم وكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله:
والله يشهد إنهم لكاذبون .
ثم ذكر أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر، بقوله:
لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم فكان الأمر على ما ذكره الله تعالى، لأنهم أخرجوا من ديارهم، فلم يخرج معهم المنافقون، وقوتلوا فلم ينصروهم، أظهر الله كذبهم، وبان صدق ما قال الله، وقوله:
ولئن نصروهم معناه: ولئن قدر وجود نصرهم؛ لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده، قال
nindex.php?page=showalam&ids=14416الزجاج : معناه: لو قصدوا نصر اليهود، لولوا الأدبار منهزمين، ثم لا ينصرون. يعني: بني النضير لا يصيرون منصورين، إذا انهزموا ناصروهم.
لأنتم أيها المؤمنون،
أشد رهبة في صدورهم من الله قال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس : هم منكم أشد خوفا منهم من الله. ذلك الخوف الذي لهم منكم من أجل،
بأنهم قوم لا يفقهون عظمة الله.
ثم أخبر عن اليهود، فقال:
لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أي: لا يبرزون لحربكم، إنما يقاتلون متحصنين بالقرى والجدران، وهو قوله:
أو من وراء جدر ومن قرأ جدار فالمراد بالإفراد الجمع أيضا؛ لأنه يعلم أنهم لا يقاتلونهم من وراء جدار واحد،
بأسهم بينهم شديد بعضهم فظ على بعض، وبينهم مخالفة وعداوة، وهو قوله:
تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى أي: أنهم مختلفون، لا تستوي قلوبهم ونياتهم؛ لأن الله خذلهم، ذلك أي: ذلك الاختلاف،
بأنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم.
ثم ضرب لليهود مثلا، فقال: كمثل الذين أي: مثلهم،
كمثل الذين من قبلهم قريبا يعني: مشركي
مكة ،
ذاقوا وبال أمرهم يعني: القتل ببدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير بستة أشهر،
ولهم عذاب أليم في الآخرة.
ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلا، فقال:
كمثل الشيطان أي:
مثل المنافقين في غرورهم بني النضير وخذلانهم، كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر وهو عابد في
بني إسرائيل ذكر
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس قصته، فقال: كان في
بني إسرائيل عابد، عبد الله زمانا من الدهر، حتى كان يؤتى بالمجانين يداويهم، ويعودهم فيبرؤون على يده، وإنه أتي
[ ص: 277 ] بامرأة في شرف قد جنت، وكان لها إخوة فأتوه بها، فكانت عنده، فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها، فحملت، فلما استبان حملها، قتلها ودفنها، فلما فعل ذلك ذهب الشيطان حتى لقي أحد إخوتها، فأخبره بالذي فعل الراهب، وأنه دفنها في مكان كذا وكذا، ثم أتى بقية إخوانها رجلا رجلا، فذكر ذلك، فجعل الرجل يلقى أخاه، فيقول: والله لقد أتاني آت ذكر لي شيئا يكبر علي ذكره.
فذكر بعضهم لبعض حتى بلغ ذلك ملكهم، فسار الملك والناس فاستنزلوه، فأقر لهم بالذي فعل، فأمر به فصلب، فلما رفع على خشبة، تمثل له الشيطان، فقال: أنا الذي زينت لك هذه الفتنة، وألقيتك فيها، وهل أنت مطيعي فيما أقول لك أخلصك مما أنت فيه؟ قال: نعم. قال: اسجد لي سجدة واحدة. قال: فسجد له وقتل الرجل.
فهو قوله:
كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر تبرأ منه الشيطان، وهو قوله:
إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ذكرنا تفسيره في سورة الأنفال، ضرب الله هذه القصة مثلا
لبني النضير ، حين اغتروا بالمنافقين، ثم تبرؤوا منهم عند الشدة، وأسلموهم.
ثم ذكر أنهما صارا إلى النار، بقوله: فكان عاقبتهما أي: عاقبة الشيطان وذلك الإنسان،
أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين قال
nindex.php?page=showalam&ids=17131مقاتل : يعني: فكان عاقبة المنافقين واليهود أن صاروا إلى النار، وذلك جزاؤهم.