ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون للفقراء [ ص: 386 ] الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم
قوله:
ليس عليك هداهم :
أخبرنا
أحمد بن محمد بن أحمد بن الحرث، أخبرنا
عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا
أبو يحيى عبد الرحمن بن محمد الرازي، حدثنا
سهل بن عثمان العسكري، حدثنا
جرير، عن
أشعث بن إسحاق، عن
nindex.php?page=showalam&ids=18372جعفر بن أبي المغيرة، عن
nindex.php?page=showalam&ids=15992سعيد بن جبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
nindex.php?page=hadith&LINKID=82877 "لا تصدقوا إلا على أهل دينكم" فأنزل الله: ليس عليك هداهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تصدقوا على أهل الأديان".
وبهذا الإسناد، عن
سهل، حدثنا
ابن نمير، عن
الحجاج، عن
سالم المكي، عن
nindex.php?page=showalam&ids=12691ابن الحنفية، قال:
كان المسلمون يكرهون أن يتصدقوا على فقراء المشركين حتى نزلت هذه الآية ليس عليك هداهم فأمروا أن يتصدقوا عليهم. [ ص: 387 ] قال المفسرون:
نزلت هذه الآية حين جاءت قتيلة أم أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه إليها تسألها، وكذلك جدتها، وهما مشركتان، فقالت: لا أعطيكما حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنكما لستما على ديني.
فاستأمرته في ذلك فأنزل الله هذه الآية، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتصدق عليهما.
وهذا في
صدقة التطوع، أباح الله أن يتصدق على الملي والذمي، فأما الفرض فلا يجوز أن يتصدق به إلا على المسلمين.
ومعنى الآية: ليس عليك هدى من خالفك، فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام، حاجة منهم إليها.
وأراد بالهدى هاهنا: هدى التوفيق، وخلق الهداية; لأنه كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم هدى البيان والدعوة لجميع الخلق.
وقوله:
ولكن الله يهدي من يشاء قال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس: يريد أولياءه.
وما تنفقوا من خير من مال، وهو شرط، وجوابه:
فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ظاهر خبر، وتأويله: نهي، أي: ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله، كقوله تعالى:
لا يمسه إلا المطهرون ، و
لا تضار والدة بولدها .
وفي
ذكر "الوجه" في قوله تعالى: إلا ابتغاء وجه الله قولان: أحدهما: أن المراد منه تحقيق الإضافة; لأن ذكر الوجه يرفع الإيهام أنه له ولغيره، وذلك أنك لما ذكرت الوجه - ومعناه: النفس - دل على أنك تصرف الوهم عن الاشتراك إلى تحقيق الاختصاص، فكنت بذلك محققا للإضافة ومزيلا لإيهام الشركة.
[ ص: 388 ] القول الثاني: أنك إذا قلت: فعلته لوجه زيد.
كان أشرف في الذكر من: فعلته له.
لأن وجه الشيء في الأصل أشرف ما فيه، ثم كثر حتى صار يدل على أشرف الذكر من غير تحقيق وجه، ألا ترى أنك تقول: وجه الدليل، ووجه الرأي، ووجه الأمر.
فلا تريد تحقيق الوجه، وإنما تريد أشرف ما فيه من جهة شدة ظهوره وحسن بيانه؟ قوله:
وما تنفقوا من خير يوف إليكم يوف لكم جزاؤه، و "التوفية": إكمال الشيء، قال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس: يجازيكم به في الآخرة.
وإنما حسن إليكم مع التوفية; لأنها تضمنت معنى التأدية،
وأنتم لا تظلمون لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا، كقوله:
آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا يريد: لم تنقص.
كقوله:
للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله الآية، قال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس في رواية
nindex.php?page=showalam&ids=15097الكلبي: هم أهل الصفة، صفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم نحو من أربع مائة رجل، لم يكن لهم مساكن
بالمدينة ولا عشائر يأوون إليهم، فجعلوا أنفسهم في المسجد وقالوا: نخرج في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله.
فحث الله الناس على (الصدقة ) عليهم، وكان الرجل إذا أكل وعنده فضل أتاهم به إذا أمسى.
و "اللام" في قوله: للفقراء متعلق بمحذوف، وتأويله: هذه الصدقات أو النفقة للفقراء، وقد تقدم ما يدل عليه لأنه سبق ذكر الإنفاق والصدقات.
قال
nindex.php?page=showalam&ids=12590ابن الأنباري: وهذا كما تقول: عاقل لبيب، إذا تقدم وصف رجل.
والمعنى: الموصوف عاقل لبيب.
وقوله:
الذين أحصروا في سبيل الله تفسير الإحصار قد تقدم عند قوله:
فإن أحصرتم قال
nindex.php?page=showalam&ids=16815قتادة: صبروا أنفسهم في سبيل الله، أي: في طاعته للغزو، فلا يتفرغون إلى طلب المعاش.
وقال
nindex.php?page=showalam&ids=15990سعيد بن المسيب: هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاروا زمنى، فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض.
وقال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس في رواية
nindex.php?page=showalam&ids=16568عطاء: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل الله، فعذرهم الله فقال:
لا يستطيعون ضربا في الأرض يريد: الجهاد.
[ ص: 389 ] يقال: ضربت في الأرض ضربا، إذا سرت فيها.
ومنه قوله تعالى:
وإذا ضربتم في الأرض ، وهؤلاء إنما لا يستطيعون الضرب في الأرض لأن الفقر منعهم عن جهاد العدو على قول
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس.
وعلى قول
nindex.php?page=showalam&ids=15990سعيد بن المسيب: الزمانة.
وعلى قول
nindex.php?page=showalam&ids=16815قتادة: لأنهم ألزموا أنفسهم أمر الجهاد، فمنعهم ذلك عن التصرف للمعاش.
وقوله:
يحسبهم الجاهل يقال: حسبت الشيء أحسبه وأحسبه.
بالكسر والفتح، وقرئ بالوجهين في القرآن ما كان من مضارع حسب، والفتح أقيس عند أهل اللغة; لأن الماضي إذا كان فعل كان المضارع على يفعل، والكسر شاذ وهو حسن لمجيء السمع به.
وقوله: الجاهل: لم يرد الجهل الذي هو ضد العلم، وإنما أراد الجهل الذي هو ضد الخبرة، يقول: يحسبهم من لم يختبر أمرهم.
أغنياء من التعفف وهو ترك السؤال، يقال: عف عن الشيء، وتعفف عنه، إذا تركه.
ومنه قول رؤبة:
فعف عن إسرارها بعد العسق
أي: تركها.
وقوله:
تعرفهم بسيماهم "السيما"، و "السيماء"، و "السيمياء": العلامة التي يعرف بها الشيء، قال
nindex.php?page=showalam&ids=16879مجاهد: سيماهم التخشع.
وقال
الربيع nindex.php?page=showalam&ids=14468والسدي: أثر الجهد من الحاجة والفقر.
وقال
nindex.php?page=showalam&ids=14676الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع.
وقال
ابن زيد: رثاثة ثيابهم.