قوله: وليكتب بينكم كاتب بالعدل أي: ليكتب كتاب الدين بين المستدين والمدين كاتب بالعدل،
[ ص: 403 ] أي: بالحق والإنصاف، لا يكتب لصاحب الدين فضلا على الذي عليه، ولا ينقصه من حقه، ولا يقدم الأجل ولا يؤخره، ولا يكتب شيئا يبطل به حقا لأحدهما هذا هو العدل.
قوله:
ولا يأب كاتب أن يكتب أي: لا يمتنع، يقال: أبى فلان الشيء يأباه، إذا امتنع عنه.
قال
nindex.php?page=showalam&ids=16879مجاهد والربيع: واجب على الكاتب أن يكتب إذا أمر; لأن الله تعالى أمره أن لا يأبى.
وقال
nindex.php?page=showalam&ids=14676الضحاك: كانت هذه عزيمة واجبة على الكاتب والشاهد فنسخها قوله:
ولا يضار كاتب ولا شهيد .
وقوله:
كما علمه الله فليكتب أي: لا يأب أن يكتب كما أمره الله عز وجل من العدل.
وقوله:
وليملل الذي عليه الحق الإملال والإملاء: لغتان، قال
nindex.php?page=showalam&ids=14888الفراء: أمللت: لغة
الحجاز وبني أسد، وأمليت: لغة
بني تميم وقيس، نزل القرآن باللغتين، قال الله تعالى في اللغة الثانية:
فهي تملى عليه .
ومعنى الآية: أن الذي عليه الدين يملي; لأنه المشهود عليه، فيقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه.
وقوله:
ولا يبخس منه شيئا البخس: النقصان، يقال: بخسه حقه.
أي: نقصه، أمر من عليه الحق أن يقر بمبلغ المال الذي عليه ولا ينقص شيئا.
وقوله:
فإن كان الذي عليه الحق سفيها قال
nindex.php?page=showalam&ids=16879مجاهد: جاهلا بالإملاء.
وقال
nindex.php?page=showalam&ids=14676الضحاك والسدي: طفلا صغيرا.
أو ضعيفا قال
nindex.php?page=showalam&ids=14468السدي وابن زيد: يعني: عاجزا أحمق.
أو لا يستطيع أن يمل لخرس أو عي أو جهل بما له وعليه،
فليملل وليه أي: ولي السفيه والعاجز والطفل، يعني: قيمه أو وارثه، أو من يقوم مقامه في حقه، بالعدل بالصدق والحق والإنصاف.
[ ص: 404 ] وقوله: واستشهدوا أي: أشهدوا،
شهيدين من رجالكم من أهل ملتكم من الأحرار البالغين دون الصبيان والعبيد،
فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان قال
nindex.php?page=showalam&ids=13674الأخفش nindex.php?page=showalam&ids=14888والفراء: فليكن رجل وامرأتان.
والإجماع: أن
شهادة النساء جائزة في الأموال. وقوله:
ممن ترضون من الشهداء قال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس: يريد: من أهل الفضل والدين.
وقوله:
أن تضل إحداهما أصل (الضلالة ) في اللغة: الغيبوبة، يقال: ضل الماء في اللبن، إذا غاب.
ومعنى
أن تضل إحداهما : أي تغيب عن حفظها، أو يغيب حفظها عنها، يعني إحدى المرأتين،
فتذكر إحداهما الأخرى هذا من التذكير بعد النسيان، تقول لها: هل تذكرين يوم شهدنا في موضع كذا، وبحضرتنا فلان أو فلانة؟ حتى تذكر الشهادة.
والتقدير: فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة التي احتملتاها.
ومن قرأ
فتذكر من الإذكار، فهو بهذا المعنى أيضا، يقال: أذكره الشيء وذكره.
مثل: فرحه وأفرحه، وهو كثير.
وقرأ
nindex.php?page=showalam&ids=15760حمزة (إن تضل ) -بكسر الألف- فتذكر بالرفع- وجعل (إن ) للجزاء، و(تضل ) في موضع جزم، وحركت بالفتح لالتقاء الساكنين كقوله: من يرتد، والفاء في قوله:
فتذكر جواب الجزاء، كقوله:
ومن عاد فينتقم الله منه .
[ ص: 405 ] قوله:
ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا هذا في
تحمل الشهادة، وكل من دعي ليتحمل الشهادة وجب عليه ترك الإباء في قول
nindex.php?page=showalam&ids=16815قتادة والربيع. وقال
nindex.php?page=showalam&ids=14577الشعبي: هذا إذا لم يوجد غيره، فيتعين عليه الإجابة، فإن وجد غيره ممن يتحمل الشهادة فهو مخير.
وقال آخرون: هذا في إقامة الشهادة.
قال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس في رواية
nindex.php?page=showalam&ids=16568عطاء: يريد: إذا استودعته ثم احتجت إلى شهادته فلا ينبغي له أن يتخلف عنك حتى يأتي معك إلى الحاكم فيؤديها.
وهذا قول
nindex.php?page=showalam&ids=16879مجاهد nindex.php?page=showalam&ids=14468والسدي nindex.php?page=showalam&ids=15992وسعيد بن جبير وعكرمة.
وقوله:
ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله "السآمة": الملال والضجر، يقال: سئمت الشيء أسأمه سأما وسآمة.
يقول: لا يمنعكم الضجر والملالة أن تكتبوا ما شهدتم عليه من الحق، صغر أو كبر، قل أو كثر.
ذلكم أي: الكتاب، أقسط أعدل، عند الله لأن الله أمر به، واتباع أمره أعدل من تركه،
وأقوم للشهادة أي: أبلغ في الاستقامة; لأن الكتاب يذكر الشهود، فتكون شهادتهم أقوم من لو شهدوا على ظن ومخيلة.
قوله:
وأدنى ألا ترتابوا أي: أقرب إلى أن لا تشكوا في مبلغ الحق والأجل.
وقوله:
إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم أي: إلا أن تقع تجارة حاضرة،
فليس عليكم جناح ألا تكتبوها فلا جناح في ترك الإشهاد والكتابة فيه; لأن ما يخاف في النساء والتأجيل يؤمن في البيع يدا بيد.
وقرأ
عاصم تجارة حاضرة - بالنصب - على تقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة، فأضمر الاسم لدلالة الخبر عليه، ومثله ما أنشد الفراء:
[ ص: 406 ] فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا
أي: إذا كان اليوم يوما.
وقوله
وأشهدوا إذا تبايعتم ذكرنا أن هذا أمر ندب، وليس بواجب.
وقوله:
ولا يضار كاتب ولا شهيد نهى الله الكاتب والشهيد عن المضارة، وهو أن يزيد الكاتب، أو ينقص منه، أو يحرف، وأن يشهد الشاهد بما لا يستشهد عليه، أو يمتنع عن إقامة الشهادة، وهذا قول
nindex.php?page=showalam&ids=16248طاوس nindex.php?page=showalam&ids=14102والحسن nindex.php?page=showalam&ids=16815وقتادة وابن زيد، وعلى هذا أصله: يضارر.
قال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس: هو أن يمتنع الكاتب أن يكتب، والشاهد أن يشهد.
وقال
nindex.php?page=showalam&ids=16584عكرمة: هو أن يدعى الكاتب والشاهد وهما مشغولان.
وقيل: هو أن يدعى الكاتب ليكتب الباطل، ويدعى الشاهد ليشهد الزور.
فعلى هذه الأقوال أصله: لا يضارر.
وإن تفعلوا يعني ما ذكر الله من المضارة،
فإنه فسوق بكم أخبر الله تعالى أن مضارة الكاتب والشاهد فسق، أي: خروج عما أمر الله تعالى به.
قوله:
وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا أمر الله تعالى عند عدم الكاتب في حال السفر بأخذ الرهون، ليكون وثيقة بالأموال، وهو قوله:
فرهان مقبوضة أي: فالوثيقة رهان، وهو جمع رهن، مثل: كلب وكلاب، وكعب وكعاب.
[ ص: 407 ] وقرأ
أبو عمرو: (فرهن مقبوضة ) ، وهو أيضا جمع رهن، مثل سقف وسقف، وأنشد
أبو عمرو حجة لقراءته قول
قعنب: بانت سعاد وأمسى دونها عدن وغلقت عندها من قبلك الرهن
والقبض شرط في صحة الرهن، حتى لو رهنه شيئا ولم يقبضه، لم يحكم بصحته.
قوله:
فإن أمن بعضكم بعضا أي: لم يخف خيانته وجحوده الحق، فلم يشهد عليه،
فليؤد الذي اؤتمن أمانته "اؤتمن": افتعل، من الأمانة، يقال: أمنته وائتمنته فهو مأمون ومؤتمن.
أمر الله تعالى المؤتمن بأداء الأمانة وتقوى الله فيما أمن فيه من الحق، وهو قوله:
وليتق الله ربه .
قوله:
ولا تكتموا الشهادة نهي لمن كانت عنده شهادة أن يكتمها ويمتنع من إقامتها، ثم أوعد على ذلك فقال:
ومن يكتمها فإنه آثم قلبه قال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس: يريد: قد أثم قلبه وفجر.
قال المفسرون: ذكر الله تعالى على كتمان الشهادة نوعا من الوعيد لم يذكره في سائر الكبائر، وهو إثم القلب.
ويقال: إثم القلب سبب مسخه، والله تعالى إذا مسخ قلبا جعله منافقا وطبع عليه، نعوذ بالله من ذلك.