صفحة جزء
واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا [ ص: 25 ] فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما

قوله جل جلاله : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم أي : يفعلن الزنا ، فاستشهدوا عليهن أربعة منكم أي : من المسلمين ، فإن شهدوا عليها ، بالزنا فأمسكوهن في البيوت احبسوهن في السجون حتى يتوفاهن الموت ، وكان هذا في ابتداء الإسلام : المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت ، والرجل إذا زنى أوذي بالتعيير والضرب بالنعال ، فنزلت : الزانية والزاني فاجلدوا الآية ، هذا حكم البكر .

فإن كانا محصنين رجما بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو سبيلهما الذي جعله الله لهما في قوله أو يجعل الله لهن سبيلا .

أخبرنا سعيد بن محمد الزاهد ، أخبرنا أبو علي بن أحمد الفقيه ، أخبرنا أبو القاسم البغوي ، حدثنا علي بن الجعد ، أخبرنا شعبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن حطان بن عبد الله ، عن عبادة بن الصامت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : "خذوا عني خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا والبكر يجلد وينفى ، والثيب يجلد ويرجم " .

[ ص: 26 ] رواه مسلم ، عن بندار ، عن غندر ، عن شعبة .

أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري ، حدثنا محمد بن يعقوب ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا عبد الوهاب ، عن يونس ، عن الحسن ، عن عبادة بن الصامت ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : "خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا ، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " قوله : واللذان : قرأ ابن كثير بالتشديد ، وكذلك : هذان ، وهاتين ، جعل التشديد عوضا من الحذف الذي لحق الكلمة ألا ترى أن قولهم (ذا ) قد حذف "لامها " ، وقد حذفت الياء من "اللذان " و"هذان " ، وكان حقهما في التثنية : اللذيان ، وهذيان فجعل التشديد فيه عوضا من الحرف المحذوف عنه في التثنية .

وقوله : يأتيانها منكم يعني : الفاحشة ، والمعنى : يفعلان الزنا ، فآذوهما يعني التعيير باللسان والتوبيخ كما ذكرنا .

قوله : فإن تابا من الفاحشة ، وأصلحا : العمل فيما بعد ، فأعرضوا عنهما فاتركوا أذاهما ، وقد ذكرنا حكم هذه الآية في التي قبلها .

وقوله : إن الله كان توابا رحيما معنى التواب في صفة الله تعالى : أنه يتوب على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب إليه من ذنبه .

قوله تعالى : إنما التوبة على الله أي : التوبة التي أوجب الله بفضله على نفسه للذين يعملون السوء بجهالة قال ابن عباس : يريد أن ذنب المؤمن جهل منه .

وقال السدي : كل من عصى الله تعالى فهو جهالة [ ص: 27 ] عمدا كان أو غير ذلك .

قال الزجاج : معنى "الجهالة " هاهنا : أنهم في اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية جهال .

وقوله : ثم يتوبون من قريب قال ابن عباس في رواية الوالبي : "القريب " : ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت .

وقال في رواية عطاء : ولو قبل الموت بفواق ناقة .

أخبرنا أبو بكر التميمي ، أخبرنا أبو الشيخ الحافظ ، حدثنا أبو يحيى الرازي ، حدثنا سهل بن عثمان ، حدثنا عبيدة ، عن خارجة بن مصعب ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن البيلماني ، قال : سمعت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "من تاب قبل أن يموت بيوم قبل الله توبته " فحدثت بها رجلا آخر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "من تاب قبل أن يموت بنصف يوم قبل الله توبته " فحدثت بها رجلا آخر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "من تاب قبل أن يموت بضحوة قبل الله منه توبته " فحدثت بها رجلا آخر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "من تاب قبل أن يغرغر بنفسه قبل الله منه توبته " قوله عز وجل : وليست التوبة للذين يعملون السيئات قال عطاء عن ابن عباس : يريد الشرك .

[ ص: 28 ] وقال عكرمة عنه في هذه الآية : هم أهل الشرك .

وقال سعيد بن جبير : نزلت الأولى في المؤمنين .

يعني قوله : إنما التوبة على الله الآية ، والوسطى في المنافقين .

يعني قوله : وليست التوبة والأخرى في الكافرين .

يعني : ولا الذين يموتون وهم كفار .

ومعنى الآية : لا توبة لمشرك ، ولا لمنافق إذا تاب عند حضور الموت ، وهو النظر إلى ملك الموت ، ولا لمن مات كافرا ؛ لأن التوبة لا تقبل في الآخرة .

أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما أي : هيأنا وأعددنا ، يقال : أعتدت الشرع فهو معتد وعتيد .

التالي السابق


الخدمات العلمية