صفحة جزء
وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين

قوله: وإذا قيل لهم : موضع "إذا" من الإعراب نصب؛ لأنه اسم للوقت، كأنك قلت: وحين قيل لهم، أو يوم قيل لهم، و"قيل": كان في الأصل: قول، فنقلت كسرة الواو إلى القاف، فسكنت الواو وانكسر ما قبلها فصارت ياء.

والكسائي يشم قيل وأخواته الضم، ليدل بذلك على أنه كان في الأصل "فعل" ، ومعنى الآية وإذا قيل لهم يعني: لهؤلاء المنافقين، لا تفسدوا في الأرض بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، قالوا إنما نحن مصلحون يظهرون هذا القول كذبا ونفاقا، كما أنهم قالوا: آمنا وهم كاذبون.

[ ص: 89 ] فرد الله عليهم قولهم: نحن مصلحون فقال: ألا إنهم هم المفسدون ، قال الزجاج : ألا: كلمة يبتدأ بها، ينبه بها المخاطب ليدل على صحة ما بعدها، وهم لتأكيد الكلام، والمعنى: هم المفسدون أنفسهم بالكفر، والناس بالتعويق عن الإيمان، "ولكن لا يشعرون" لا يعلمون أنهم مفسدون، لأنهم يظنون أن الذي هم عليه من إبطان الكفر صلاح.

"ولكن" معناها استدراك بإيجاب بعد نفي، أو نفي بعد إيجاب كالتي في هذه الآية؛ لأنه إذا قيل "هم المفسدون" سبق إلى الوهم أنهم يفعلون ذلك من حيث يشعرون، فقال "ولكن لا يشعرون" فاستدرك بالنفي بعد الإيجاب.

قوله: وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس الآية، قال جميع المفسرين: المراد بالناس في هذه الآية أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا به، والمعنى: وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم كما آمن أصحابه، قال ابن عباس : يريد المهاجرين والأنصار . قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء الألف في "أنؤمن" استفهام معناه: الجحد والإنكار، أي: لا نفعل كما فعلوا، والسفهاء: الجهال الذين قلت عقولهم، جمع "السفيه"، ومصدره: "السفه، والسفاهة والسفاه".

قال أهل اللغة: معنى السفه : الخفة، والسفيه: الخفيف العقل، ولهذا سمى الله تعالى الصبيان والنساء سفهاء في قوله: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ، لجهلهم وخفة عقلهم، وعنوا بـ"السفهاء": أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس : قالوا أولئك سفهاؤنا، فإن قيل: كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم أنؤمن كما آمن السفهاء ؟ قيل: إنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم، لا عند المؤمنين، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

[ ص: 90 ] قال ابن عباس : فرد الله عليهم جواب كفرهم فقال: "ألا إنهم هم السفهاء" لا المؤمنون الذين صدقوا محمدا صلى الله عليه وسلم، "ولكن لا يعلمون" ولكنهم لا يعلمون ما يقولون.

قوله: "وإذا لقوا الذين آمنوا" الآية، قال المفسرون: أراد بالذين آمنوا: أبا بكر رضي الله عنه وأصحابه، وذلك أن المنافقين كانوا إذا لقوهم واجتمعوا معهم قالوا: إيماننا كإيمانكم ونحن معكم. يقال: لقيته لقاء ولقيانا ولقيا، وكل شيء استقبل شيئا فقد لقيه.

وقوله: وإذا خلوا إلى شياطينهم يقال: خلوت بفلان، أخلو به خلوة وخلاء، وخلوت معه وخلوت إليه بمعنى واحد، والشيطان: كل متمرد عات من الجن والإنس، قال الله تعالى: شياطين الإنس والجن ، واشتقاقه من شطن، أي: بعد، فمعنى الشيطان: البعيد من الجنة.

قال الزجاج : ومعنى الشيطان: الغالي في الكفر، المتعبد فيه من الجن والإنس. قال ابن عباس : أراد بشياطينهم: كبراءهم ورؤساءهم.

وقوله: إنا معكم أي: على دينكم، إنما نحن مستهزؤون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، حيث نقول لهم: آمنا.

يقال: هزئ به يهزأ وتهزأ به، واستهزأ به، وهو أن يظهر غير ما يضمر؛ استصغارا وعبثا.

قال الله تعالى: الله يستهزئ بهم أي: يجازيهم جزاء استهزائهم، فسمى الجزاء باسم المجازى عليه كقوله: وجزاء سيئة سيئة مثلها ، فسمى الثاني سيئة باسم الأول، وقال أيضا: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه .

التالي السابق


الخدمات العلمية