وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما
قوله جل جلاله :
وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الآية نزلت في
nindex.php?page=showalam&ids=21224عياش بن أبي ربيعة حين قتل
[ ص: 94 ] الحارث بن زيد ، ظنه كافرا ، ولم يشعر بإسلامه فقتله .
قال
nindex.php?page=showalam&ids=16815قتادة :
وما كان لمؤمن أي : ما كان له ذلك فيما أتاه الله من ربه وأمر به .
وقوله إلا خطأ جميع أهل النحو والمعاني : على أن هذا استثناء منقطع من الأول ، على معنى : ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة إلا أن يخطئ المؤمن ، فكفارة خطئه ما ذكر من بعد ، وصفة قتل الخطأ : هو أن يرمي إلى عرض أو إلى صيد فيخطئ فيصيب إنسانا فيقتله ، وكذلك لو قتل رجلا ظنه كافرا ، كما ظن
nindex.php?page=showalam&ids=21224عياش بن أبي ربيعة وكان مسلما ، كان قتل خطأ .
والواجب فيه الدية والكفارة ، وهو قوله :
ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة قال المفسرون : هي المصلية المدركة عند عامة الفقهاء ، يجوز وإن كانت صغيرة إذا كانا أبواها مسلمين أو أحدهما .
وقوله :
ودية مسلمة إلى أهله يعني : جميع ورثته .
وصفة
الدية في قتل الخطأ : أن تكون مخففة ، مائة من الإبل : عشرون بنت مخاض ، وعشرون بنت لبون ، وعشرون ابن لبون ، وعشرون حقة ، وعشرون جذعة .
وظاهر القرآن أوجب أن تكون الدية على القاتل في الخطأ ، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن تكون الدية في
[ ص: 95 ] الخطأ على العاقلة وهم الإخوة وبنو الإخوة والأعمام وبنو الأعمام .
وقوله :
إلا أن يصدقوا أصله : يتصدقوا ، فأدغمت التاء في الصاد ومعنى التصدق : الإعطاء ، والمعنى : إلا أن يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا الدية فتسقط .
وقوله :
فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة يعني : إن كان المقتول خطأ مؤمنا وقومه كفار ، فعلى قاتله تحرير رقبة مؤمنة ، وليس فيه دية ؛ لأن ورثته كفار فلا يرثونه .
وقوله :
وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة هذا في الذمي الذي يقتل خطأ ، فيجب فيه الدية والكفارة .
قال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس : هذا الرجل يكون معاهدا ويكون قومه أهل عهد ، فتسلم إليهم دية ويعتق الذي أصابه رقبة .
وقوله :
فمن لم يجد يعني : الرقبة أو ثمنها ،
فصيام شهرين متتابعين أي : فعليه ذلك بدلا عن الرقبة ، والتتابع واجب ، حتى لو أفطر يوما استأنف .
وقوله :
توبة من الله أي : اعملوا بما أوجبه للتوبة من الله ، أي : ليقبل الله توبتكم فيما اقترفتموه من ذنوبكم .
قوله عز وجل :
ومن يقتل مؤمنا متعمدا صورة القتل العمد : أن يقصد القتل بالسيف أو غيره من الآلات التي بها يقصد القتل غالبا ، جرح أو لم يجرح ، كالحجر الثقيل ، والحديد الثقيل ، وكذلك التخنيق والتغريق والتحريق ، وما أشبهها .
والآية نزلت في كافر قتل مؤمنا وهو
أن مقيس ابن صبابة كان قد أسلم هو وأخوه هشام ، فقتل بنو النجار أخاه [ ص: 96 ] هشاما خطأ ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيسا ومعه زهير بن عياض الفهري ، وكان من المهاجرين من أهل بدر ، إلى بني النجار ليدفعوا إلى مقيس قاتل أخيه إن علموه ، أو يجمعوا له دية أخيه إن لم يعلموا القاتل ، فجمعوا لمقيس دية أخيه ، فلما صارت إليه وثب على زهير فقتله وارتد إلى الشرك ، وقال في ذلك أبياتا منها :
فأدركت ثأري واضطجعت مؤسرا وكنت إلى الأوثان أول راجع
وقوله :
فجزاؤه جهنم خالدا فيها إلى آخر الآية ، وعيد شديد لمن قتل مؤمنا متعمدا حرم الله به قتله ، وحظر به سفك دمه ، وقد وردت في قتل المؤمن أخبار شداد .
أخبرنا
أبو بكر الحارثي ، أخبرنا
أبو الشيخ الحافظ ، حدثنا
عبد الرحمن بن محمد الرازي ، حدثنا
سهل بن عثمان العسكري ، حدثنا
عبيدة ، عن
nindex.php?page=showalam&ids=16650عمار الدهني ، عن
nindex.php?page=showalam&ids=15957سالم بن أبي الجعد ، قال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=683396كنت عند nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس فسأله رجل فقال : رجل قتل مؤمنا متعمدا ، فقال nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس : جزاؤه جهنم خالدا فيها إلى آخر الآية ، قال : فإن تاب وآمن وعمل صالحا ، فقال nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس : وأنى له التوبة وقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : "ويح له قاتل المؤمن ، يجيء يوم القيامة حامل رأسه بيمينه أو بيساره ، وفي يده الأخرى قاتله ، يقول : يا رب هذا قتلني ، فوالذي نفسي بيده لقد نزلت على نبيكم فما نسخت حتى قبض ، يعني : هذه الآية ومن يقتل مؤمنا متعمدا [ ص: 97 ] .
أخبرنا
إسماعيل بن إبراهيم ، أخبرنا
عبد الله بن عمر الجوهري ، أخبرنا
يحيى بن ساسويه ، حدثنا
nindex.php?page=showalam&ids=16073سويد بن نصر ، أخبرنا
nindex.php?page=showalam&ids=16418عبد الله بن المبارك ، عن
سالم التيمي ، عن
حميد ، عن
أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
"أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة " .
أخبرنا
أبو عبد الله بن أبي إسحاق ، أخبرنا
أبو عمرو بن مطر ، أخبرنا
أحمد بن الحسن بن عبد الجبار ، أخبرنا
nindex.php?page=showalam&ids=14153 [ ص: 98 ] الحكم بن موسى ، حدثنا
محمد بن سلمة ، عن
محمد بن إسحاق ، عن
nindex.php?page=showalam&ids=17581إبراهيم بن المهاجر ، عن
إسماعيل مولى عبد الله بن عمرو ، عن
nindex.php?page=showalam&ids=13عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
nindex.php?page=hadith&LINKID=910603 "والذي نفسي بيده لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا " ومذهب أهل السنة : أن قاتل المؤمن عمدا له توبة أخبرنا
محمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى ، أخبرنا
أبو عمرو بن نجيد ، أخبرنا
أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله ، حدثنا
nindex.php?page=showalam&ids=13748محمد بن عبد الله الأنصاري ، حدثنا
nindex.php?page=showalam&ids=17240هشام بن حسان ، قال : كنا عند
nindex.php?page=showalam&ids=16972محمد بن سيرين ، فقال له رجل من القوم :
ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم حتى ختم الآية ، فقال محمد : أين أنت من هذه الآية :
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .
أخبرنا
أبو بكر التميمي ، أخبرنا
عبد الله بن محمد الحافظ ، أخبرنا
العباس بن حمدان ، حدثنا
إسحاق بن إبراهيم الشهيدي ، قال : سمعت قريش بن أنس يقول :
[ ص: 99 ] كنت عند
nindex.php?page=showalam&ids=16711عمرو بن عبيد ، فأنشأ يقول : يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي الله تعالي ، فيقول : قلت : إن القاتل في النار ؟ فأقول : أنت قلت ، ثم تلا هذه الآية :
ومن يقتل مؤمنا متعمدا حتى فرغ منها ، فقلت وما في البيت أصغر مني : أرأيت إن قال لك : فإني قلت :
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، من أين علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا ؟ قال : فما استطاع أن يرد علي شيئا .
وأما ما روي عن
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس وغيره من السلف ، أنهم قالوا : لا توبة للقاتل فإن الأولى لأهل الفتوى سلوك سبيل التغليظ ، سيما في القتل ، يدل على ذلك ما روي : أن
سفيان سئل عن عقوبة القاتل ، قال : كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا : لا توبة له ، وإذا ابتلي الرجل قالوا له : تب .
أخبرنا
أبو عمرو محمد بن عبد العزيز المروزي ، فيما أذن لي روايته عنه ، قال : أخبرنا
محمد بن الحسين ، أخبرنا
محمد بن يحيى ، أخبرنا
إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا
nindex.php?page=showalam&ids=14147أبو داود الحفري ، حدثنا
سفيان ، عن
أبي سعيد ، عن
nindex.php?page=showalam&ids=16568عطاء ، عن
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس ،
أن رجلا سأله : ألقاتل المؤمن توبة ؟ فقال : لا ، وسأله آخر : ألقاتل المؤمن توبة ؟ فقال : نعم ، فقيل له : قلت لذلك : لا توبة لك ، ولذلك : لك توبة ، قال : جاءني ذلك ولم يكن قتل ، فقلت : لا توبة لك لكي لا يقتل ، وجاءني هذا وقد قتل ، فقلت : لك توبة لكي لا يلقي بيده إلى التهلكة فأما تأويل قوله تعالى : (فجزاؤه جهنم ) ، فقد روي مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
"هو جزاؤه إن جازاه " .
[ ص: 100 ] وروى
nindex.php?page=showalam&ids=16273عاصم بن أبي النجود ، عن
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس في قوله : فجزاؤه جهنم قال : هي جزاؤه ، فإن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له .
وبهذا قال
nindex.php?page=showalam&ids=16735عون بن عبد الله ، وبكر بن عبد الله ، nindex.php?page=showalam&ids=16442وأبو صالح : وقد يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر : إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب ، ثم إن لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا .
والأصل في هذا : أن الله تعالى يجوز أن يخلف الوعيد ، وإن كان لا يجوز أن يخلف الوعد ، بهذا وردت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما :
أخبرنا
أبو بكر أحمد بن محمد الأصبهاني ، أخبرنا
عبد الله بن محمد الأصبهاني ، حدثنا
nindex.php?page=showalam&ids=14451زكريا بن يحيى الساجي ، وأبو حفص السلمي ، nindex.php?page=showalam&ids=12201وأبو يعلى الموصلي ، قالوا : حدثنا
nindex.php?page=showalam&ids=17233هدبة بن خالد ، حدثنا
nindex.php?page=showalam&ids=19534سهيل بن أبي حزم ، حدثنا
nindex.php?page=showalam&ids=15603ثابت البناني ، عن
nindex.php?page=showalam&ids=9أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=944158 "من وعده الله على عمله ثوابا فهو منجزه له ، ومن أوعده على عمله عقابا فهو بالخيار " أخبرنا
أبو بكر ، أخبرنا
عبد الله ، أخبرنا
nindex.php?page=showalam&ids=21675محمد بن حمزة ، حدثنا
أحمد بن الخليل ، حدثنا
nindex.php?page=showalam&ids=13721الأصمعي ، قال : جاء
nindex.php?page=showalam&ids=16711عمرو بن عبيد إلى
nindex.php?page=showalam&ids=12114أبي عمرو بن العلاء ، فقال : يا أبا عمرو ، يخلف الله ما وعد ؟ قال : لا .
قال :
[ ص: 101 ] أفرأيت من أوعده الله على عمل عقابا ، أيخلف الله وعده فيه ؟ فقال
nindex.php?page=showalam&ids=12114أبو عمرو بن العلاء : من العجمة أتيت يا أبا عثمان ؟ إن الوعد غير الوعيد ، إن العرب لا تعد عارا ولا خلفا أن تعد شرا ثم لا تفعله ، ترى ذلك كرما وفضلا ، وإنما الخلف أن تعد خيرا ثم لا تفعله .
قال : فأوجدني هذا في العرب .
قال : أما سمعت قول الأول :
وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
والذي ذكره
nindex.php?page=showalam&ids=12114أبو عمرو بن العلاء رحمه الله مذهب الكرام ، ويستحسن عند كل أحد خلف الوعيد كما قال
السري الموصلي : إذا وعد السر أنجز وعده وإن أوعد الشر فالعفو مانعه
وأحسن
يحيى بن معاذ في هذا الفصل حيث قال : الوعد والوعيد حق ، فالوعد حق العباد على الله ، ضمن لهم إذا فعلوا كذا أن يعطيهم كذا ، ومن أولى بالوفاء من الله ؟ والوعيد حقه على العباد ، قال : لا تفعلوا كذا فأعذبكم ففعلوا فإن شاء عفا وإن شاء أخذ ؛ لأنه حقه ، وأولاهما بربنا الكرم والعفو إنه غفور رحيم .