وقوله :
فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا جعل الله تعالى الصلح جائزا بين الرجل والمرأة إذا رضيت منه بإيثار غيرها عليها .
[ ص: 125 ] قال المفسرون : هذا الصلح في القسمة وهو أن
يقول الرجل لامرأته : إنك دميمة أو قد دخلت في السن ، وأريد أن أتزوج عليك شابة جميلة وأوثرها عليك في القسم بالليل والنهار ، فإن رضيت فأقيمي ، وإما كرهت خليت سبيلك ، فإن رضيت بذلك وإلا كان الواجب على الزوج تمام حقها من المقام عندها ، أو تسريحها بإحسان .
وكل ما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز وهو أن تترك له من مهرها أو بعض أيامها ، ومعنى يصالحا يتصالحا فأدغم التاء في الصاد .
وقرئ يصلحا من الإصلاح عند التنازع ، كقوله :
فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم .
وقوله : والصلح خير : من النشوز والإعراض والفرقة ، يقول : أن يصالحا على شيء خير من أن يتفرقا أو يقيما على النشوز والإعراض .
وقوله :
وأحضرت الأنفس الشح أي : ألزمت البخل ، قال المفسرون : أحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة شحا بحقه قبل صاحبه فالمرأة تشح على مكانها من زوجها ، والرجل يشح على المرأة بنفسه إذا كان غيرها أحب إليه منها .
وقوله :
وإن تحسنوا أن تصلحوا ،
وتتقوا الجور والميل ،
فإن الله كان بما تعملون خبيرا .
قوله عز وجل : (ولن تستطيعوا ) الآية ، قال المفسرون : لن تقدروا على التسوية بينهن في المحبة التي هي ميل الطباع ؛ لأن ذلك مما لا تقدرون عليه ، ولو حرصتم أي : اجتهدتم ،
فلا تميلوا كل الميل إلى التي تحبون في النفقة والقسمة .
قال
nindex.php?page=showalam&ids=12078أبو عبيدة : لا يقدر أحد على العدل بين الضرائر بقلبه وليس يؤاخذ به ؛ لأنه لا يستطيع ولا يملكه ، لكن عليه أن لا يميل بنفسه وهو الذي وقع عليه النهي ، قال
nindex.php?page=showalam&ids=13790الشافعي : بلغنا
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم فيقول : "اللهم هذا قسمي فيما أملك وأنت أعلم فيما لا أملك " .
يعني : محبته
nindex.php?page=showalam&ids=25لعائشة .
وقوله : فتذروها كالمعلقة : قال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس : لا أيما ولا ذات بعل .
[ ص: 126 ] قال المفسرون : يقول : لا تميلوا إلى الشابة كل الميل فتدعوا الأخرى كالمنوطة لا في الأرض وفي السماء كذلك هذه لا تكون مخلاة فتزوج ولا ذات بعل يحسن عشرتها .
وإن تصلحوا : بالعدل في القسم ، وتتقوا : الجور ،
فإن الله كان غفورا رحيما لما ملت إلى التي تحبها .
قوله تعالى : (وإن يتفرقا ) الآية : ذكر الله تعالى جواز الصلح بين الزوجين إن أحبا أن يجتمعا ويتآلفا ، فإن أبت الكبيرة الصلح ، وأبت إلا التسوية بينها وبين الشابة ، فتفرقا بالطلاق ، فقد وعد الله لهما أن يغني كل واحد منهما عن صاحبه بعد الطلاق ، وهو قوله :
يغن الله كلا من سعته قال الكلبي : أمر الله المرأة بزوج أو الزوج بامرأة .
وكان الله واسعا الجميع خلقه في الرزق والرحمة حكيما فيما حكم ووعظ وعلم ، ذكر ما يوجب الرغبة إليه في طلب الخير منه فقال :
ولله ما في السماوات وما في الأرض أي : هو مالك ما فيها ،
ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم يعني : اليهود والنصارى وإياكم : أوصى
أن اتقوا الله وإن تكفروا بما أوصاكم به
فإن لله ما في السماوات وما في الأرض يعني أن له ملائكة من السماوات والأرض هم أطوع له منكم ،
وكان الله غنيا لا حاجة له ، والله تعالى غني بذاته لأنه قادر على ما يريد ، حميدا : محمودا على نعمه .
قوله جل جلاله :
إن يشأ يذهبكم أيها الناس قال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس : يريد المشركين والمنافقين .
ويأت بآخرين : قال
nindex.php?page=showalam&ids=17131مقاتل : يخلق غيركم أمثل وأطوع له منكم .
من كان يريد ثواب الدنيا قال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس : يريد متاع الدنيا ،
فعند الله ثواب الدنيا والآخرة قال
nindex.php?page=showalam&ids=14416الزجاج : كان مشركو العرب لا يؤمنون بالبعث والحساب وكانوا مقرين بأن الله خالقهم فكان تقربهم إلى الله تعالى إنما هو ليعطيهم من خير الدنيا ويصرف عنهم شرها ، فأعلم الله تعالى أن خير الدنيا والآخرة عنده ، فينبغي أن يطلب من عنده ثواب الدنيا والآخرة .
قوله عز وجل :
يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط قوام : مبالغة من قائم .
قال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس : كونوا قوامين بالعدل في الشهادة على من كانت ،
ولو على أنفسكم .
وقال
nindex.php?page=showalam&ids=14416الزجاج : قوموا بالعدل ، واشهدوا لله بالحق ، وإن كان الحق على نفس الشاهد أو على والديه أو أقربيه .
وشهادة الإنسان على نفسه : إقراره بما عليه من الحق ، فكأنه قيل : ولو كان لأحد عليكم حق فأقروا على أنفسكم .
وقوله :
إن يكن غنيا أو فقيرا أي : إن يكن المشهود غنيا أو فقيرا ، قال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس : يقول :
لا تحابوا غنيا لغناه ، ولا ترحموا فقيرا لفقره . وقال
nindex.php?page=showalam&ids=16568عطاء : لا تحيفوا على الفقير ، ولا تعظموا الغني فتمسكوا على القول فيه .
[ ص: 127 ] وقوله :
فالله أولى بهما أي : أعلم بهما لأنه يتولى علم أحوالهما من الغنى والفقر ، وهذا معنى قول
nindex.php?page=showalam&ids=14102الحسن : الله أعلم بغناهم وفقرهم .
وقوله :
فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا قال
nindex.php?page=showalam&ids=17131مقاتل : فلا تتبعوا الهوى في الشهادة ، واتقوا الله أن تعدلوا عن الحق إلى الهوى ، وهذا من العدول الذي هو الميل والجور .
قال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس : تميلوا عن الحق .
وقوله :
وإن تلووا أو تعرضوا قال
nindex.php?page=showalam&ids=16879مجاهد : وإن تلووا تبدلوا الشهادة ، أو تعرضوا تكتموها فلا تقيموها .
وهذا من لي اللسان ، كأنه لواها من الحق إلى الباطل ، وقال
nindex.php?page=showalam&ids=14468السدي : اللي : دفع الشهادة ، والإعراض : الجحود .
وقرئ تلوا بواو واحدة من ولاية الشيء ، وهو الإقبال عليه وخلاف الإعراض عنه ، والمعنى : إن تقبلوا أو تعرضوا .
فإن الله كان بما تعملون خبيرا فيجازي المقبل المحسن بإحسانه والمسيء المعرض بإعراضه ، وقال
قطرب : وإن تلوا من الولاية ، يريد : إن تلوا القيام بالحق وتتولوه ، وتعرضوا عنه فلا تقوموا به .