ثم ضرب الله مثلا للمنافقين فقال:
مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون مثلهم كمثل الذي استوقد نارا : والمثل من الكلام: قول سائر يشبه به حال الثاني بالأول، والأصل فيه: التشبيه، وحقيقته: ما جعل كالعلم للتشبيه بحال الأول، مثال ذلك قول
كعب بن زهير :
كانت مواعيد عرقوب لنا مثلا وما مواعيده إلا الأباطيل
فمواعيد عرقوب: علم في كل ما لا يصح من المواعيد، واستوقد بمعنى: أوقد و(أضاء): يكون لازما ومتعديا، يقال: أضاء الشيء بنفسه وأضاءه غيره، وأضاءت النار، وأضاءها غيرها، والذي في هذه الآية متعد، وما في قوله: ما حوله: منصوب بوقوع الإضاءة عليه، وحوله نصب على الظرف، يقال: هم حوله وحوليه وحواله وحواليه.
قال
nindex.php?page=showalam&ids=11ابن عباس ،
nindex.php?page=showalam&ids=16815وقتادة ،
nindex.php?page=showalam&ids=14676والضحاك ،
nindex.php?page=showalam&ids=17131ومقاتل ،
nindex.php?page=showalam&ids=14468والسدي : يقول: مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد نارا في
[ ص: 94 ] ليلة مظلمة في مغارة، فاستضاء بها واستدفأ، ورأى ما حوله، فاتقى ما يحذر ويخاف، وأمن، فبينا هو كذلك؛ إذ طفئت ناره، فبقي مظلما خائفا متحيرا، كذلك المنافقون، لما أظهروا كلمة الإيمان استناروا بنورها، واعتزوا بعزها وأمنوا، فناكحوا المسلمين ووارثوهم، وأمنوا على أموالهم وأولادهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف، وبقوا في العذاب، وذلك معنى قوله:
ذهب الله بنورهم ، وكان يجب في حق النظم أن يكون اللفظ: فلما أضاءت ما حوله أطفأ الله ناره، ليشاكل جواب "لما" معنى هذه القصة، ولكن كان إطفاء النار مثلا لإذهاب نورهم، أقيم إذهاب النور مقام الإطفاء، وجعل جواب "لما" اختصارا وإيجازا، ومعنى
ذهب الله بنورهم وهو أن الله تعالى يسلب المنافقين ما أعطوا من النور مع المؤمنين في الآخرة، وذلك قوله تعالى، فيما أخبر عنهم:
انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا .
قوله: "صم" أي: هم صم، جمع أصم، وهو المنسد الأذن، يقال: رمح أصم إذا لم يكن أجوف، وصخرة صماء: إذا كانت صلبة، وإنما وصفوا بالصم لتركهم قبول ما يسمعون، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل على ما يسمعه: أصم.
"بكم" أي: عن الخير فلا يقولونه، عمي لتركهم ما يبصرون من الهدى والقرآن. وقوله: "فهم لا يرجعون" أي: عن الجهل والعمى إلى الإيمان.