صفحة جزء
وقوله : وما ذبح على النصب قال ابن عباس : يريد : الأصنام التي تنصب وتعبد من دون الله .

وقال الفراء : النصب : الآلهة التي تعبد من أحجار .

قال الزجاج : النصب حجارة كانت لهم يعبدونها وهي الأوثان .

وتقدير الآية على هذا القول : وما ذبح على اسم النصب .

وقال مجاهد ، وقتادة ، وابن جريج : كانت حول البيت أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون عليها ، وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها .

وقوله : وأن تستقسموا بالأزلام أي : تطلبوا علم ما قسم لكم من الخير والشر بالأزلام ، قال المفسرون : كان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرا ، أو غزوا ، أو تجارة ، أو غير ذلك طلب من الأزلام ، وهي قداح كانت في الكعبة عند سدنة البيت مكتوب على بعضها : أمرني ربي ، وعلى بعضها : نهاني ربي ، فإن خرج السهم الآمر مضى لحاجته ، وإن خرج السهم الناهي لم يمض ، وواحد الأزلام : زلم وزلم .

قال الزجاج : أخبر الله تعالى أن الاستقسام بالأزلام حرام ، ولا فرق بين ذلك وبين قول النجمين : لا تخرج من أجل نجم كذا ، واخرج من أجل طلوع نجم كذا ؛ لأن الله تعالى يقول : وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وذلك دخول في علم الله الذي هو غيب ، فهو حرام كالأزلام التي ذكرها الله تعالى .

وقد روى أبو الدرداء ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "من تكهن أو استقسم ، أو تطير ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة " .

[ ص: 153 ] وقوله : ذلكم فسق أي : الاستقسام بالأزلام فسق ، وهو كل ما يخرج به من الحلال إلى الحرام .

وقوله : اليوم يئس الذين كفروا من دينكم قال الكلبي : نزلت لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في حجة الوداع ، يئس أهل مكة أن يرتد المسلمون راجعين إلى دينهم .

فلا تخشوهم : أن يظهروا على دينكم ، واخشون : في مخالفة أمري .

وقوله : اليوم أكملت لكم دينكم أجمعوا على أن المراد باليوم يوم عرفة ، وهذه الآية نزلت يوم الجمعة يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء .

ومعنى أكملت لكم دينكم أي : ببيان الفرائض والسنن والحدود والأحكام والحلال والحرام ، فلم ينزل بعد هذه الآية شيء من الفرائض .

قال ابن عباس في رواية الوالبي : بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله ، فلما صدق به المؤمنون زادهم الصلاة ، فلما صدقوا به زادهم الزكاة ، فلما صدقوا به زادهم الصيام ، فلما صدقوا به زادهم الحج ، فلما صدقوا به زادهم الجهاد ، ثم أكمل لهم الدين ، فقال اليوم أكملت لكم دينكم .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد الزمجاري بها ، أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا أبي ، حدثنا جعفر بن عون ، قال : أخبرني أبو عميس ، عن قيس بن سالم ، عن طارق بن شهاب ، قال : جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقال : يا أمير المؤمنين إنكم تقرءون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا .

قال : وأي آية هي ؟ قال : قوله عز وجل :
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي .

قال : فقال عمر رضي الله عنه : والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 154 ] والساعة التي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة يوم الجمعة .


رواه البخاري ، عن الحسن بن الصباح ، ورواه مسلم ، عن عبد بن حميد ، كلاهما عن جعفر بن عون .

أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد بن الحارث ، أخبرنا عبد الله بن محمد الحافظ ، حدثنا أبو يحيى الرازي ، حدثنا سهل بن عثمان ، حدثنا ابن فضيل ، عن هارون بن أبي وكيع ، عن أبيه ، قال : لما نزلت هذه الآية اليوم أكملت لكم دينكم وهو يوم الحج الأكبر بكى عمر بن الخطاب ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما يبكيك ؟ فقال : يا رسول الله إنا كنا في زيادة من ديننا ، فأما إذا كمل فإنه لا يكمل شيء إلا نقص ، فقال : صدقت" .

وقوله : وأتممت عليكم نعمتي يريد : أنه أنجز لهم ما وعدهم في قوله : ولأتم نعمتي عليكم ، وكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين .

وقوله : ورضيت لكم الإسلام دينا .

أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي ، أخبرنا أبو عمرو بن مطر ، حدثنا عبدوس بن أحمد الحافظ ، حدثنا الحسين بن عبد الله بن حمران الرقي ، حدثنا عصمة بن فضالة ، حدثنا موسى بن عقبة ، عن القاسم بن محمد ، [ ص: 155 ] عن عائشة رضي الله عنها ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال الله عز وجل : "إني نظرت في الأديان فارتضيت لكم الإسلام دينا ، فأحسنوا صحبته بالسخاء وحسن الخلق ، فإن البخيل بعيد عن الله ، بعيد عن الجنة ، بعيد عن الناس ، قريب من النار " وقوله : فمن اضطر في مخمصة قال الزجاج : من دعته الضرورة في مجاعة .

والمخمصة : خلاء البطن من الطعام جوعا .

غير متجانف لإثم قال قتادة : غير متعرض لمعصية .

وأصله من الجنف الذي هو الميل ، غير متجانف : غير مائل لإثم : وهو أن يأكل من الميتة فوق الشبع تلذذا .

وقوله : فإن الله غفور رحيم قال ابن عباس : غفر الله له ما أكل مما حرم عليه حين اضطر إليه ، ورحيم بأوليائه حيث أحل لهم ما حرم عليهم في المخمصة إذا اضطروا إلى أكلها .

التالي السابق


الخدمات العلمية