صفحة جزء
يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون

قوله: يا أيها الناس اعبدوا ربكم : "يا أيها الناس": عموم في كل مكلف من مؤمن وكافر، ويروى عن الحسن وعلقمة أن يا أيها الناس خطاب لأهل مكة ، ويا أيها الذين آمنوا خطاب لأهل المدينة .

ومعنى اعبدوا ربكم : اخضعوا له بالطاعة، ولا يجوز ذلك إلا لمالك الأعيان.

[ ص: 98 ] قوله: "الذي خلقكم": الخلق: إبداع شيء لم يسبق إليه، وكل شيء خلقه الله فهو مبتدئه أولا على غير مثال سبق إليه، ومعنى الآية: أن الله تعالى احتج على العرب بأنه خلقهم وخالق من قبلهم لأنهم كانوا مقرين بذلك، لقوله تعالى: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ، فقيل لهم: إذ كنتم معترفين بأن الله خالقكم فاعبدوه، فإن عبادة الخالق أولى من عبادة المخلوقين من الأصنام.

وقوله: "لعلكم تتقون" قال ابن الأنباري : "لعل" يكون ترجيا ويكون بمعنى كي.

وقال سيبويه : "لعل" كلمة ترجية وتطميع، أي: كونوا على رجاء وطمع أن تتقوا بعبادتكم عقوبة الله أن تحل بكم، كما قال في قصة فرعون : لعله يتذكر أو يخشى كأنه قال: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما، والله تعالى من وراء ذلك وعالم بما يؤول إليه أمره.

قوله تعالى: الذي جعل لكم الأرض فراشا : الأرض التي عليها الناس هي فراش الأنام، على معنى أنها فرشت لهم، أي: بسطت لهم، وهذا كقوله: والله جعل لكم الأرض بساطا ، والمعنى: أنه لم يجعلها حزنة غليظة لا يمكن الاستقرار عليها.

والسماء بناء وأنزل من السماء ماء يعني المطر، والمعنى: من نحو السماء، فحذف المضاف، وإن جعلت السماء بمعنى السحاب لم يحتج إلى تقدير المضاف.

وقوله: فأخرج به من الثمرات رزقا لكم : الثمرات: جمع ثمرة وهي حمل الشجرة في الأصل، ثم صارت اسما لكل ما ينتفع به مما هو زيادة على أصل المال، يقال: ثمر الله ماله، وعقل مثمر إذا كان يهدي صاحبه إلى رشد، والثمرة: تستعمل فيما ينتفع به ويستمتع مما هو فرع الأصل. قال المفسرون: أراد بالثمرات: جميع ما ينتفع به مما يخرج من الأرض. وقوله تعالى: فلا تجعلوا لله أندادا : يقال: فلان ند فلان، أي: شبهه ومثاله، قال حسان :

[ ص: 99 ]

أتهجوه ولست له بند فشركما لخيركما الفداء



وقال جرير :


أتيما تجعلون إلي ندا     وما تيم لذي حسب نديد



قال ابن عباس والسدي : لا تجعلوا لله أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله، وقال ابن زيد : الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه.

وقال الزجاج : هذا احتجاج عليهم لإقرارهم بأن الله خالقهم، فقيل لهم: لا تجعلوا لله أمثالا وأنتم تسلمون أنهم لا يخلقون، والله الخالق.

وقال ابن الأنباري : وأنتم تعلمون أن الأنداد التي تعبدونها لم ترفع لكم السماء، ولم تمهد لكم الأرض، ولم ترزقكم رزقا، وإنما وصفهم الله تعالى بهذا العلم لتتأكد الحجة عليهم إذا اشتغلوا بشيء يعلمون أن الحق فيما سواه.

أخبرنا أبو عبد الله بن أبي إسحاق ، حدثنا والدي ، حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي ، حدثنا إسحاق بن [ ص: 100 ] إبراهيم الحنظلي ، ومحمد بن الصباح قالا: حدثنا جرير ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن عمرو بن شرحبيل: أبي ميسرة ، عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك.

رواه البخاري ، عن عثمان بن أبي شيبة ، ورواه مسلم ، عن عثمان ، وإسحاق ، كلهم عن جرير .

التالي السابق


الخدمات العلمية