صفحة جزء
حدثنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، إملاء سنة عشر وأربع مائة ، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي ، حدثنا محمد بن حماد الأبيوردي ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن البراء بن عازب ، قال : مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمما مجلودا ، فدعاهم ، فقال : هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ قالوا : نعم ، فدعا رجلا من أشرافهم ، فقال : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ قال : لا ، ولولا أنك نشدتني لم أخبرك ، نجد حد الزاني في كتاب الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا ، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه حد الله ، فقلنا : تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع ، فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه " ، فأمر به فرجم ، فأنزل الله تعالى : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إلى قوله إن أوتيتم هذا فخذوه يقولون : ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوا به ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا رواه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن أبي معاوية وقوله : ومن يرد الله فتنته قال ابن عباس ، ومجاهد : ضلالته .

وقال الحسن ، وقتادة : عذابه .

وقال [ ص: 188 ] الزجاج : قيل : فضيحته .

وقيل : كفره .

فلن تملك له من الله شيئا لن تغني عنه ، ولن تدفع عذاب الله عنه ، أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم وقال ابن عباس : أن يخلص نياتهم .

وقال الزجاج : أن يهديهم .

ودلت هذه الآية على أن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر ، وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك ، ولو فعل ذلك لآمن ، فهذه الآية من أشد الآيات على القدرية .

وقوله : لهم في الدنيا خزي خزي المنافقين : هتك سترهم بإطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على كفرهم ، وخزي اليهود : فضيحتهم بظهورهم وكذبهم في كتابه الرجم وأخذ الجزية منهم .

ولهم في الآخرة عذاب عظيم وهو الخلود في النار .

قوله جل جلاله : سماعون للكذب قال الحسن : يعني حكام اليهود يسمعون الكذب ممن يكذب عندهم في دعواهم ، ويأتيهم برشوة فيأخذونها ويأكلونها ، فسمعوا كذبه ، وأكلوا رشوته فهو قوله : أكالون للسحت : وهو كل حرام قبيح الذكر يلزم منه العار ، والمراد بالسحت هاهنا : الرشوة في الحكم .

قال مسروق : كنت جالسا عند عبد الله بن مسعود ، فقال له رجل : ما السحت ؟ قال : الرشى في الحكم .

أخبرنا الفضل بن أحمد بن محمد بن إبراهيم ، أخبرنا أبو علي بن أبي موسى ، أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن نيروز الأنماطي ، حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن نافع ، حدثنا علي بن الحسن السامي ، [ ص: 189 ] حدثنا خليد بن دعلج ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من أخذ رشوة في الحكم كانت سترا بينه وبين الجنة " وقوله : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم هذا تخيير للنبي صلى الله عليه وسلم في الحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه ، إن شاء حكم وإن شاء ترك .

قال إبراهيم ، والشعبي ، وعطاء ، وقتادة : هذا التخيير ثابت اليوم لحكام المسلمين ، إن شاءوا حكموا بينهم بحكم الإسلام ، وإن شاءوا أعرضوا .

وقال الحسن ، وعكرمة ، والسدي : هذا التخيير منسوخ بقوله : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ، ومذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يجب على الحاكم منا أن يحكم بين أهل الذمة الذين قبلوا الجزية ، ورضوا بجريان أحكامنا عليهم إذا تحاكموا إليه ؛ لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغارا لهم .

وقوله : وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط قال عكرمة ، عن ابن عباس : كان النضير أشرف من قريظة ، فكان إذا قتل رجل النضير رجلا من قريظة أدى مائة وسق من تمر ، وإذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل ، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة ، فقالوا : ادفعوه إلينا نقتله .

فقالوا : بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم .

فأتوه فنزلت :
وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط
النفس بالنفس .

قوله عز وجل : وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله هذا تعجيب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم [ ص: 190 ] من تحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حكم الزاني وحده ، ثم إعراضهم وتركهم القبول لحكمه ، فعدلوا عما يعتقدونه حكما إلى ما يجحدون أنه من عند الله طلبا للرخصة ، فظهر جهلهم في هذه القصة .

وقوله : فيها حكم الله قال ابن عباس : يريد : الرجم ، ثم يتولون من بعد ذلك أي : يعرضون عما في التوراة من الحكم ، وما أولئك بالمؤمنين وما أولئك الذين يعرضون عن الرجم بالمؤمنين .

قوله تعالى : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى بيان الحكم الذي جاءوا يستفتون فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، ونور : بيان أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم حق ، يحكم بها النبيون من لدن موسى إلى عيسى .

قال ابن عباس : وذلك أن الله بعث في بني إسرائيل ألوفا من الأنبياء ليس معهم كتاب ، إنما بعثهم بإقامة التوراة ، وهو قوله : الذين أسلموا أي : الذين انقاضوا لحكم التوراة .

للذين هادوا : قال ابن عباس : تابوا من الكفر ، أي : يحكمون بالتوراة لهم وفيما بينهم .

والربانيون والأحبار فقهاء اليهود وعلماؤهم ، واحدها حبر وحبر بما استحفظوا من كتاب الله قال ابن عباس : بما استودعوا وكلفوا حفظه من كتاب الله ، وكانوا عليه شهداء كانوا شهداء على الكتاب أنه من عند الله ، فلا تخشوا الناس في إظهار صفة محمد صلى الله عليه وسلم .

واخشون في كتمان ذلك والخطاب لعلماء اليهود ولا تشتروا : ولا تستبدلوا بآياتي : بأحكامي وفرائضي ثمنا قليلا يعني : متاع الدنيا وهو قليل ؛ لأنه ينقطع ويذهب .

ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون اختلفوا في هذا وفيما بعده من قوله : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ، فأولئك هم الفاسقون فقال جماعة : إن الآيات الثلاث نزلت في الكفار ومن غير حكم الله من اليهود ، وليس في أهل الإسلام منها شيء ؛ لأن المسلم وإن ارتكب كبيرة لا يقال له كافر ، وهذا قول قتادة ، والضحاك ، وأبي صالح ، ورواية البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 191 ] .

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المزكي ، أخبرنا أبو الهيثم أحمد بن محمد بن غوث الكندي ، حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن البراء بن عازب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رجم يهوديا ويهودية ، ثم قال : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون قال : نزلت كلها في الكفار" .

رواه مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة قال قتادة في الآيات الثلاث : ليست والله كما تأولها أهل الشبهات وأهل البدع وأهل الفرى على الله وعلى كتابه ، وإنما أنزل ما تسمعون في أهل الكتاب حينما نبذوا كتاب الله ، وعطلوا حدوده ، وتركوا أمره ، وقتلوا رسله .

وقال الوالبي عن ابن عباس : من جحد شيئا من حدود الله فقد كفر ، ومن أقرها ولم يحكم بها فهو ظالم فاسق .

وقال طاووس : قلت لابن عباس : ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر ؟ قال : هو به كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله .

وقال عبد العزيز بن يحيى : إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه ، وكل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق ، وأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك ، ثم لم يحكم بما أنزل الله من الشرائع فليس هو من أهل هذه الآية .

وقال ابن مسعود ، والحسن ، والسدي : هذه الآيات عامة في اليهود ، وفي هذه الأمة فكل من ارتشى وبدل الحكم ، فحكم بغير حكم الله فقد كفر .

[ ص: 192 ] .

أخبرنا أبو بكر الحارثي ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن حيان ، حدثنا أبو يحيى الرازي ، حدثنا سهل بن عثمان العسكري ، حدثنا أبو عبيدة ، عن عمار ، عن مسلم بن صبيح ، عن مسروق ، عن ابن مسعود ، قال : ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو فاسق

التالي السابق


الخدمات العلمية