صفحة جزء
يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد الآية، أي: ليختبرن طاعتكم من معصيتكم بصيد البر خاصة، وكان هذا عام الحديبية، كانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم كثيرة وهم محرمون، فنهوا عنها ابتلاء قوله: تناله أيديكم يعني: الفراخ وصغار الوحش ورماحكم يعني: الكبار ليعلم الله: ليرى الله من يخافه بالغيب من يخاف الله ولم يره، كقوله: من خشي الرحمن بالغيب .

فمن اعتدى بعد ذلك بعد النهي فله عذاب أليم قال ابن عباس: يوسع ظهره وبطنه جلدا ويسلب ثيابه.

[ ص: 229 ] قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم حرم الله تعالى قتل الصيد على المحرم، فليس له أن يتعرض للصيد ما دام محرما.

قوله: ومن قتله منكم متعمدا قال الزهري: نزل القرآن بالعمد، وجرت السنة في الخطإ.

يعني: أن المخطئ في قتل الصيد ألحق بالمتعمد في وجوب الجزاء عليه بالسنة.

وهذا مذهب عامة الفقهاء.

قال ابن جريج: قلت لعطاء ومن قتله منكم متعمدا ، فمن قتله خطأ يغرم، وإنما جعل الغرم على من قتله متعمدا؟ قال: يعظم بذلك حرمات الله، ومضت به السنن.

وقوله: فجزاء مثل ما قتل من النعم أي: فعليه جزاء مماثل للمقتول: ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الضبع كبش، وفي الظبي شاة، وفي الغزال جمل.

ومن قرأ: فجزاء مثل ما قتل على الإضافة إلى مثل كان معناه: فجزاء ما قتل، ويكون المثل صلة كما تقول: أنا أكرم مثلك.

أي: أكرمك، ومعنى القراءتين سواء.

وقوله: يحكم به ذوا عدل منكم قال ابن عباس: يريد: يحكم في الصيد بالجزاء رجلان صالحان منكم: من أهل ملتكم ودينكم، فقيهان عدلان، فينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به.

هديا بالغ الكعبة قال ابن عباس: يريد: إذا أتى مكة ذبحه وتصدق به.

أو كفارة طعام مساكين يعني: أو عليه بدل الجزاء الكفارة، وهي طعام مساكين.

[ ص: 230 ] وقرئ بإضافة كفارة إلى طعام، وذلك أنه لما خير المكفر بين ثلاثة أشياء: الهدي والطعام والصيام، استجيزت الإضافة لذلك، كأنه قيل: كفارة طعام، لا كفارة هدي، ولا كفارة صيام.

قال الشافعي: إذا قتل صيدا فإن شاء جزاه بمثله، وإن شاء قوم المثل دراهم ثم يشتري بالدراهم طعاما، ثم يتصدق به، وإن شاء صام عن كل مد يوما، وهو قوله أو عدل ذلك صياما .

قال الفراء: العدل: ما عادل الشيء من غير جنسه، والعدل: المثل.

قال ابن الأعرابي: عدل الشيء وعدله سواء: مثله.

والجزاء إنما يجب فيما يؤكل لحمه من الدواب والطيور، فأما ما لا يؤكل لحمه فلا جزاء في قتله.

أخبرنا القاضي أبو بكر الحيري، حدثنا محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور".

قوله: ومن عاد فينتقم الله منه قال عطاء وإبراهيم وسعيد بن جبير: إذا عاد إلى قتل الصيد محرما بعد ما حكم عليه في المرة الأولى حكم عليه ثانيا، فهو بصدد الوعيد لقوله: فينتقم الله منه أي: يكافئه عقوبة بما صنع والله عزيز: منيع، ذو انتقام: من أهل معصيته، أي: ذو مكافأة لهم بالعقوبة.

[ ص: 231 ] قوله: أحل لكم صيد البحر قال ابن عباس: يريد: ما أصيب من داخل البحر، وعني ب البحر: جميع المياه، والأنهار داخلة في هذا.

وقوله: وطعامه يعني: ما لفظه البحر أو حسر عنه الماء متاعا لكم وللسيارة منفعة للمقيم والمسافر، تأكلون وتبيعون، ويتزود منه عابر السبيل.

وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما كل صيد صاده المحرم من البر أو صيد له بأمره لم يحل له أكله، واتقوا الله: فلا تستحلوا الصيد في الإحرام، ثم حذرهم بقوله: الذي إليه تحشرون فيجزيكم بأعمالكم.

التالي السابق


الخدمات العلمية