صفحة جزء
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون

قوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم قال الكلبي، ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه.

والمعنى: اجتهدوا في المبالغة في اليمين: لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها سألت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم [ ص: 311 ] بآية، وحلفوا ليؤمنن بها، وسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وعلم الله أنهم لا يؤمنون، فقال تعالى: قل إنما الآيات عند الله أي: إنه هو القادر على الإتيان بها متى شاء، وما يشعركم أي: وما يدريكم إيمانهم، فحذف مفعول يشعركم.

قال الزجاج: أي: لستم تعلمون الغيب، ولا تدرون أنهم يؤمنون.

ثم استأنف فقال: إنها إذا جاءت لا يؤمنون، ومن قرأ: أنها بالفتح فهو بمعنى لعلها، كأنه قال: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون، وأن بمعنى لعل كثير في كلامهم.

تقول العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا.

أي: لعلك، ذكر ذلك الخليل، والفراء.

قال الفراء: ويجوز على هذه القراءة أن تجعل لا صلة فيكون التقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون.

والمعنى على هذا أنها إذا جاءت لم يؤمنوا، والخطاب للمؤمنين.

وقرأ حمزة: تؤمنون بالتاء، والخطاب على هذه القراءة في قوله: وما يشعركم للكفار الذين أقسموا.

وهو قول مجاهد، قال: وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت.

قوله: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم التقليب والقلب واحد: وهو تحويلك الشيء عن وجهه، ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار: هو أن الواجب من مقتضى الآية أن يؤمنوا إذا جاءتهم الآية فعرفوها بقلوبهم ورأوها بأبصارهم، فإذا لو يؤمنوا كان ذلك بتقليب الله قلوبهم وأبصارهم عن وجهها الذي يجب أن يكون عليه، وهو معنى ما قاله المفسرون: نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم الآية فلا يؤمنون كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة مثل انشقاق القمر وغيره من الآيات.

وفي الآية محذوف تقديره: فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة.

والكناية في به يجوز أن تعود على القرآن، ويجوز أن تعود على النبي صلى الله عليه وسلم، ونذرهم في طغيانهم يعمهون قال عطاء: أخذلهم وأدعهم في ضلالتهم يتمادون.

[ ص: 312 ] قوله: ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة كان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: أرنا الملائكة يشهدون لك بالنبوة، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم: أحق ما تقول أم باطل.

فقال الله عز وجل: ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة كما سألوا ورأوهم عيانا، وكلمهم الموتى، فشهدوا لك بالنبوة، وحشرنا: جمعنا عليهم كل شيء في الدنيا قبلا، وقبلا، أي: معاينة، يقال: لقيت فلانا قبلا وقبلا وقبيلا ومقابلة، أي: مواجهة.

قال أبو عبيدة، والفراء، والزجاج: أي: معاينة.

ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بما سبق في علمه وقضائه من الشقوة عليهم، وأنهم لا يؤمنون بالله تعالى، إلا أن يهديهم الله ويسهل ذلك عليهم، وهو معنى قوله: إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون لا يعلمون أنهم لو أوتوا بكل آية ما آمنوا.

التالي السابق


الخدمات العلمية